قال ابن القيم: فأقسم سبحانه بأجل مقسم به، وهو نفسه، عز وجل، على أنه لا يثبت لهم الإيمان ولا يكونون من أهله حتى يحكموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع موارد النزاع في جميع أبواب الدين.
ولم يقتصر على هذا حتى ضم إليه انشراح صدورهم بحكمه، حيث لا يجدون في أنفسهم حرجًا، وهو الضيق والحصر، من حكمه، بل يقبلوا حكمه بالانشراح، ويقابلوه بالتسليم، لا أنهم يأخذونه على إغماض، ويشربونه على قذى، فإن هذا مناف للإيمان، بل لا بد أن يكون أخذه بقبول ورضا وانشراح صدر .. ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله تعالى: {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} فذكر الفعل مؤكدًا بمصدره القائم مقام ذكره مرتين، وهو التسليم والخضوع له والانقياد لما حكم به طوعًا ورضا، وتسليمًا لا قهرًا ومصابرة، كما يسلم المقهور لمن قهره كرهًا بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحب شيء إليه، يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليمه إليه، ويعلم بأنه أولى به من نفسه. وأبر به منها، وأقدر على تخليصها.
فمتى علم العبد هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستسلم له وسلم إليه: انقادت له كل علة في قلبه، ورأى ألا سعادة