بما عليه دون إكراه، المبلغ كما هو دون بخس في القيمة، الشهود، وهم شهود عدول، وفيها تشديد واضح للإثبات والموضوعية والحياد، حتى لا تتشوه الصورة العادلة. وبذلك يمكن ضمان علاقة جيدة ومستقرة ما بين المدين والدائن. ويشكل ضمان الحقوق واستقرار هذه العلاقة توسعة على الناس في معاملاتهم، مما يحقق نشاطا اقتصاديا يساعد في بسط الرخاء ما بين الناس.
ولقد تناول الفقهاء، في إطار فقه المداينات، أحكام القروض وأثمان البيع الآجل وبيع السلم والرهن والحوالة وسداد الديون والحسم النقدي، وغير ذلك مما يتضمن ائتمانا، ونظمت معاملاتها بضوابط محكمة. فالشرع الإسلامي رعى العلاقة ما بين المدين والدائن وحث المدين على قضاء دينه بأحسن مما كان، دون شرط مسبق، كقوله صلى لله عليه وسلم '"خيركم أحسنكم قضاء" [1] ، وقوله صلى لله عليه وسلم:"رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا اقتض" [2] .
ومن أهم أحكام المداينة أيضا مطالبة الدائن إمهال المدين المعسر:"وِإن كَان ُذو عسرة فنظرٌة ِإَلى ميسرة وأن تصدقوْا خير لَّكم إن كنتم تعلَمون" (البقرة: 280) ، فاستعمل القرآن الكريم كلمة التصدق عوضا عن كلمة الديون المشكوك فيها أو الديون المعدومة حفاظا على شعور المدين، مع التحقق طبعا من أن عسر المدين ليس من قبيل التهرب والاحتيال والتقصير المتعمد. ومن ثم جعل علاقة المداينة، لاسيما ما بين الأفراد، علاقة اجتماعية أكثر مما هي علاقة مالية.
ولا يخفى أن من أهم ما اهتمت به النظرية المالية الحديثة إدارة المخاطر الائتمانية، والتي تعد من أبرز مرتكزات اتفاقيتي بازل I و II، وإشاعة المبادئ السالفة الذكر ستقلل لا محالة من تلك المخاطر وتؤدي إلى ضبط سوق الائتمان.
إن الأزمة المالية الراهنة، والتي أخذت بالتدريج تتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية، ساهمت بصورة ملفتة للنظر في إبراز أساليب التمويل الإسلامي على المستوى العالمي كبديل عن الأساليب التمويلية التقليدية القائمة أساسا على الائتمان المداينات، غير أن هذه الفرصة تضع، بالمقابل، الباحثين والمؤسسات المالية الإسلامية، على حد سواء، أمام تحديات كبيرة، حيث تفرض عليهم تفاصيل أكثر حول الإطار القيادي الجديد الذي تتطلبه حقبة ما بعد أزمة 2008.
إن المؤسسات المالية الإسلامية بوجه خاص مدعوة أكثر فأكثر للإبداع في التطبيقات الحصيفة لنماذج التمويل الإسلامي، والتميز في صيغ التثمير الحقيقي الذي يترفع عن وحل الديون، بما يساعد على التصدي لأزمات مالية أقوى قد تجتاح أسواق العالم، وذلك من تعزيز الجدارة بالثقة الدولية في المنتجات المالية الإسلامية وترسيخ مصداقية صناعة الأمانة والأمان. وهذا يعني أن على الصناعة المالية الإسلامية العمل على أساس رؤية استراتيجية من شأنها أن تزود السوق الدولية بأساليب بديلة عن أنظمة المداينات والمضاربات، وتوفر للمتعاملين ملاذا آمنا من المشاكل التي ابتليت بها الأسواق التقليدية.
إن أساس طبيعة عملية التوريق كما تجريها المؤسسات المالية الإسلامية هو الالتزام بأحكام الشريعة. ففي هذه العملية يمتلك المستثمرون الأصول التي تدر عليهم الأرباح، وتستمد أرباح المستثمرين من التدفق النقدي للأصول الحقيقية، كما أن المستثمرين في عملية التوريق يتعرضون لمخاطر الأصول التي تدر عليهم العوائد، وكل هذه المزايا لعملية التوريق هي شروط يتطلبها النظام المالي الذي يراعي أحكام الشريعة الإسلامية.
(1) صحيح البخاري: 2183.
(2) صحيح البخاري: 11297.