فهرس الكتاب
فتوحيد الربوبية يتضمن"الإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية. وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم [1] ، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل - عليهم السلام - فيما حكى الله عنهم" [2] : {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ) إبراهيم:10 (
وقال تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [3] (الأنبياء:22) و"قد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع ... وهو أنه لو كان للعالم صانعان"
(1) - أشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع: فرعون، وقد كان مستيقنًا به في الباطن، كما قال موسى: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} .
وقال تعالى عنه وعن قومه: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} (2) . ولهذا [لما] قال: وما رب العالمين؟ على وجه الإنكار له تجاهل العارف - قال له موسى: {رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} {قال لمن حوله ألا تستمعون} {قال ربكم ورب آبائكم الأولين} {قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} {قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} (سورة الشعراء الآيات: 24 - 28) .
(2) - شرح العقيدة الطحاوية، صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد ابن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي، تحقيق: أحمد شاكر، الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية، والأوقاف والدعوة والإرشاد الطبعة: الأولى: (1418 ه) ص 29
(3) -يقول ابن تيمية:"إن المتقدمين منهم - أي المتكلمون - اعتمدوا دليل التمانع، وظنوا أنه هو الدليل المذكور في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} مع أن الأمر ليس كذلك" (انظر: منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، المحقق: محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: الطبعة: الأولى، 1406 هـ - 1986 م 2/ 81) .
ويرى"ابن تيمية"أن المقصود من الآية بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشئ عن عبادة ما سوى الله تعالى؛ لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته من جهة غاية أفعالهم ونهاية حركاتهم، وما سوى الله تعالى لا يصلح أن يكون معبودًا، فلو كان فيهما معبود غيره لفسدتا من هذه الجهة فإنه سبحانه هو المعبود المحبوب لذاته، كما أنه هو الرب الخالق بمشيئته وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
ويوضح الدكتور"محمد خليل الهراس"وجهة نظر ابن تيمية فيقول: "فالآية في نظر"ابن تيمية"ليس المقصود منها تقرير توحيد الربوبية وبيان أنه سبحانه الخالق لكل شيء، فإن هذا النوع من التوحيد كان يعرفه المشركون من العرب وغيرهم في نظر"ابن تيمية"ثم يقول: "ولكن المقصود منها هو تقرير التوحيد في الألوهية بمعنى بيان امتناع وجود إله يستحق العبادة مع الله، وهو متضمن أيضًا لتوحيد الربوبية، والحاصل أن ابن تيمية يرى أن برهان التمنانع الذي ذهب إليه نظار المتكلمين كاف في إثبات امتناع صدور العالم عن اثنين الذي هو توحيد الربوبية، ولكنه قاصر عن توحيد الألوهية، والقرآن إنما جاء بتقرير النوعين معًا". (رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، المحقق: عبد الله شاكر محمد الجنيدي"
الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية الطبعة: 1413 هـ، ص 90 وباعث النهضة الإسلامية: ابن تيمية السلفي، الدكتور: محمد خليل الهراس، لبنان، بيروت: الطبعة الأولى (1404 هـ) ، ص 88).