المطلب الأول: الشاهد القرآني على الإيمان بالله.
أ- الإيمان بالله جلا وعلا بالفطرة [1] : فالإيمان به سبحانه أمر فطري، لمن كان ذا فطرة سليمة، ولذلك جاءت الدعوة للإيمان مباشرة والأمر به واضح قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ [2] ... } النساء (136) وقد يرد سؤال على هذا الشاهد القرآني وهو: كيف وقد سماهم مؤمنين وألبسهم رداء الإيمان، ثم يأمرهم بالأيمان بصيغة الأمر آمنوا؟ والجواب هو: أن هذا الأمر هو أمر بالثبات على الإيمان الذي أنتم عليه [3] .
كما أن الإيمان بالله مقدم على كل الأعمال والأفعال، إذ لا قيمة لها، دون إيمان، قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [4] ... } [5] البقرة (177) ثم أبان الله سبحانه أن هذا الإيمان هو من سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
(1) - تعددت الأقوال في ما هية الفطرة وعند تتبعها نجد أنها متقاربة ومن أشهر هذه الأقوال أنها: الدين، دين الإسلام، الإخلاص، الصبغة، التوحيد، ابتداء الخلقة، الميثاق. (انظر: تفسير مجاهد، المؤلف: أبو الحجاج مجاهد بن جبر التابعي المكي القرشي المخزومي، المحقق: الدكتور محمد عبد السلام أبو النيل، الناشر: دار الفكر الإسلامي الحديثة، مصر: الطبعة: الأولى، 1410 هـ - 1989 م 1/ 293 و 329، وجامع البيان في تأويل القرآن المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، المحقق: أحمد محمد شاكر، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 2000 م 2/ 606 و 9/ 219 و 20/ 98) .
(2) - قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} النساء (136) .
(3) - انظر: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دمشق بيروت: (الطبعة: الأولى، 1415 هـ) 1/ 295 و تفسير القرآن: لأبي المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، السعودية الرياض، الناشر: دار الوطن، (الطبعة: الأولى، 1418 هـ- 1997 م) 1/ 490
(4) - قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} البقرة (177) .
(5) - أخرج ابْن أبي حَاتِم وَصَححهُ عَن أبي ذَر أَنه سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الإِيمان فَتلا {لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا وُجُوهكُم} حَتَّى فرغ مِنْهَا ثمَّ سَأَلَهُ فَتَلَاهَا وَقَالَ: وَإِذا عملت حَسَنَة أحبها قَلْبك وَإِذا عملت سَيِّئَة أبغضها قَلْبك. (الدر المنثور: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، بيروت: الناشر: دار الفكر 1/ 410)