الصفحة 11 من 31

وقد تطرّق سيبويه XE"سيبويه"إلى هذا النّوع من التّأثير على أنّه كان للاستخفاف من ثقل الضمّة بعد الكسرة، لأنّهما لا يلزمان حرفًا أبدًا، و أنَّ"الهاء تكسر إذا كان قبلها ياء أو كسرة" ( [62] )

ومن صور التّماثل المقبل أيضًا إبدال صائت الكسر القصير ضمّة استجابةً لتأثير صائت الضمّ قبله وذلك في نحو قول بعض العرب: مُنْتُن في مُنْتِِن ( [63] ) ، حيث لا يفصل بين الضم والكسر إلا ساكن، فكرهوا الجمع بينهما في بناء واحد غير الفعل.

ومن الصّور التي فيها فصل بين المتماثلين بأكثر من صامت قولهم: مُنْحَدُر في مُنْحَدِر ( [64] ) حيث أبدلت كسرة الدّال ضمّة تماثلًا مع ضمّة الميم لكراهة الخروج من ضمّ إلى كسر كما قالوا. وكلّ ذلك التّقريب طلبًا للتّماثل، وإيثارًا للعمل من وجه واحد، وتخفيفًا للنّطق واقتصادًا في الجهد.

ومن التماثل المقبل الذي يحدث بين كلمتين والذي يسمى عند القدماء بالإتباع قلبُ كسرة اللام من لفظ الجلالة ضمّة تأثرًا بضمّة الدّال التي قبلها من كلمة الحمدُ في قوله تعالى: {الحمدُ لُله} .الفاتحة 02. لقد عدَّ ابن جني XE"ابن جني"هذا الإجراء من ضروب الإدغام أو التقريب بين الصّائتين المتخالفين، مُرجعًا هذا التّغير لكثرة الاستعمال فقال:"فلمّا اطّرد هذا ونحوه لكثرة استعماله أتبعوا أحد الصّوتين الآخر وشبّهوهما بالجزء الواحد وإن كانا جملة من مبتدإ وخبر، فصارت"الحمدُ لُله"كعُنُق وطُنُب، و"الحمدِ لِله"كإبِل وإِطِل إلا أنَّ الحمدُ لُله بضمّ الحرفين أسهل من الحمدِ لِله بكسرهما" ( [65] ) ، ويوضّح أن القراءة بضمّتين أسهل من القراءة بكسرتين لسببين اثنين ( [66] ) :

الأوّل: أنّ إتباع الثّاني بالأوّل أقيس من إتباع الأوّل بالثّاني.

والآخر: أنّ ضمّة الدّال في الحمدُ ضمّة إعراب، وكسرة اللام في لِله كسرة بناء، وحرمة الإعراب أقوى من حرمة البناء.

يبدو أنّ ابن جنّ XE"ابن جني"ي قد غلَّب معيار الإعراب على معيار النّطق فحكم بالسّهولة للتّتابع الذي يحافظ على علامة الإعراب ويتصرّف في صوائت البناء، غير أنّ معيار النّطق يقتضي العكس لأنّ الضمّة أثقل من الكسرة وتتابع كسرتين أيسر من تتابع ضمّتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت