إعاقته كما لا يحتاج إلى مكان نطق محدّد، وهو ما يفهم من قول القرّاء بأنّها تسمّى بحروف المدّ واللين،"لأنّها تخرج بامتداد و لين من غير كلفة على اللسان لاتّساع مخرجها، فإنّ المخرج إذا اتّسع انتشر الصّوت فيه وامتدّ ولان، وإذا ضاق انضغط فيه الصوتُ وصلُب، وكل حرف مساو لمخرجه إلا هي فلذلك قبلت الزيادة وأمكن فيها التطويل والتوسّط بخلاف غيرها من الحروف" ( [34] ) .
وقد فاضل القدماء بين الصّوائت اعتمادًا على معيار الجهد العضليّ، أو ما يسمّى بالخفّة والثّقل أثناء النّطق، ومن ذلك قول الخليل XE"الخليل": « .... وأنت تتكلّف في إخراج الضمّة إلى تحريك الشّفتين مع إخراج الصّوت، وفي تحريك الفتحة إلى تحريك وسط الفم مع إخراج الصّوت، فما عمل فيه عضوان أثقل ممّا عمل فيه عضوٌ واحد» ( [35] ) . ويقول إبراهيم أنيس: «على أنّه حين نتساءل عن أيِّ الصّوتين أيسر في النّطق أو أيّهما الذي يحتاج إلى جهد عضليّ أكثر، نجد الضمّة هي التي تحتاج إلى جهد عضلي أكثر، لأنّها تتكون بتحرّك أقصى اللسان، في حين أنّ الكسرة تتكوّن بتحرّك أدنى اللسان، و تحرّك أدنى اللسان أيسر من تحرّك أقصاه» ( [36] ) ، ويقتضي ترتيب الصّوائت وفق معيار الجهد العضلي أن توضع الضمّة في المقدّمة لثقلها في النّطق فالكسرة ثمّ الفتحة التي تعدّ أقلَّ الصّوائت كلفةً، وأكثرَها شيوعًا في أبنية الكلام وتراكيبه لخفّتها وسهولةِ لفظها.
كما أشار سيبويه XE"سيبويه"إلى هذا الترتيب في أثناء كلامه على تخفيف ما أصله التحريك بالسّكون، بأنّ الفتحة تخفّف رغم خفّتها إذا كان ما بعدها مضمومًا أو مكسورًا، لأنّهم كرهوا الانتقال من الأخفّ إلى الأثقل ( [37] ) . و قال ابن جنّ XE"ابن جني"ي: «أرى الدّليل على خفّة الفتحة أنّهم يفرّون إليها من الضمّة كما يفرّون من السّكون» ( [38] ) ، كما استقرى النّحاة علامات الإعراب والبناء، فوجدوا الفتحة أكثرها لأنّ المنصوبات أكثرُ من المجرورات والمرفوعات، وكذلك ما بني على الفتح أكثر من غيره، لأنّهم جعلوا"الأثقل للأقلّ لقلّة دورانه، والأخفَّ للأكثر ليسهل ويعتدل الكلام بتخفيف ما يكثر وتثقيل ما يقلّ" ( [39] ) ، ويؤيّد هذا الإحصاءاتُ التي قام بها المحدثون، فقد أُجري إحصاءٌ للصّوائت في سورة الضّحى فكانت نسبة ورود الفتحة (99 مرة) والكسرة (15 مرة) والضمّة (7 مرات) ( [40] ) ، وهذا يؤكّد صحّة تصوّر القدماء من علماء العربية لنسب ورود هذه الصّوائت في الأبنية والتّراكيب العربية، وكذلك قام الخولي XE"الخولي"بوضع قائمة تمثّل شيوع الأصوات اللغوية في العربية، وقد احتلّت الفتحة والكسرة الموقعين الأوّلين على التّوالي وتأخّرت الضمّة للمرتبة السّادسة في هذه القائمة ( [41] ) .