ووجهات النظر، والمناهج والأدوات، والمقولات التي تقوم عليها هذه العلوم.
حددت اللسانيات المعاصرة جغرافية الخطاب عند حدود الجملة، حيث حظيت هذه الأخيرة بالاهتمام والدرس، بوصفها وحدة تتوافر على شرط النظام، وهي غير قابلة للتجزئة، وإذا أمعنا النظر في ماهية الخطاب على أنه ملفوظ يشكل وحدة جوهرية خاضعة للتأمل، فإننا نجده ليس إلا سلسلة من الجمل المتتابعة التي تصوغ ماهيته في النهاية.
وهنا ظهر مأزق اللسانيات أو محدوديتها بتعبير أصح في معالجة إشكالية الخطاب، لأنها حصرته في نطاق الجملة التي يعرفها أندريه مارتيني (Andre Martinet) بأنها أصغر مقطع ممثل بصورة كلية وتامة للخطاب. غير أن هذا لا يفضي إلى عجز الدراسات اللسانية في عدم قدرتها على معالجة قضايا أكبر من الجملة، وبالتالي عدم عجزها عن تحليل الخطاب. فهناك تباين في تحديد بنية الظاهرة اللغوية. فعلماء اللغة يعرفون الكلمة بأنها وحدة في جملة تحدد معالم كل منها بإمكانية الوقوف عندها، والجملة تتشكل من مجموع الوحدات التي يصح أن يقف بينها (الكلمات) بالإضافة إلى درجة الصوت والتنغيم والمفصل، ونحو ذلك مما يدخل في إيضاح المعنى.
و نحن نعلم؛ أنه لم الاهتمام في تحليل النص محصورا في البحث في الأصوات و المفردات المعجمية و التراكيب و الجمل، ولكنه جاوز ذلك إلى اقتحام مستوى أكبر هو البنية العامة للنص، و تكمن أهمية منهج تحليل هذا المستوى الأكبر، في أنه يُقدم معايير العلمية و الموضوعية في الدراسة؛ لأنه ينبثق من الموضوع المدروس؛ و هذا لا يتوفر إلا إذا كان المنهج نفسه نصيا، أي إذا كان المنهج من جنس الموضوع و من مادته، و في ذلك نوع من التفاعل المعرفي بين المنهج و النص.