فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 22

فاحتملته الأودية, الكبير بكبره والصغير بصغره. فاحتمل السيلُ الذي حدث من هذا الماء زبدًا عاليًا فوق السيل وهذا الزبد نافش منتفخ, ولكنّه بَعْدُ غثاءً يتلاشى، لا منفعة فيه ولا نقاء، يقذفه الماء ويرمي به على جانبي الوادي، والماء من تحته سارب ساكن هادئ ولكنه هو الماء الذي يحمل الخير والحياة، وهذا المثل كذلك يقع في المعادن، التي يوقد عليها الناس في النَّار طَلب حلية يتخذونها كالذهب والفضة، أو متاع كالحديد والرصاص، فإن الخبث يطفو ولكنه بَعْدُ خبث يذهب ويبقى المعدن في نقاء, ذلك مثل الحق والباطل، فالباطل يطفو ويعلو ويبدو رابيًا منتفخًا ولا يلبث أن يذهب جفاءً مطروحًا لا حقيقة له ولا ثبات، والحق هادئٌ ساكنٌ ولكنه باق في الأرض كالماء الذي يحمل الحياة والخير والمعدن الصريح النقي. ومِثْلَ هذا المثل للإيمان والكفر يضرب الله تعالى الأمثال للناس ليتعظوا ويعتبروا [1] .

العلاقة التفسيرية بين القراءات:

القراءة {يُوقِدُونَ} بالياء التحتية على الغيبة والقراءة {تُوقِدُونَ} بالتاء الفوقية على الخطاب [2] .

قال مكي:"قوله {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ} قرأ حفص وحمزة والكسائي بالياء، ردوه على ذكر الناس بعده، ولِمَا قبله من لفظ الغَيبة، في قوله: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} (الرعد 16) ، وقوله: {فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} (الرعد 16) , وقوله: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّه} (الرعد 13) , وقوله: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} (الرعد 14) ، فردوه في الغيبة على ما قبله وما بعده، وقرأ الباقون بالتاء، جعلوه على الخطاب الذي قبله, وهو قوله: {قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ} (الرعد 16) ." [3]

وهذا من أفانين الكلام وبلاغته حيث رُدَّ اللفظُ على اللفظِ القريبِ قبله وبعده في قراءة {يُوقِدُونَ} - ورَدُّ اللفظ على اللفظ حسن [4] - , ورُدَّ على اللفظ البعيد في قراءة {توقِدُونَ} , فنُوِّع الكلامُ بين الغيبة والخطاب. وفائدة اختلاف القراءة هنا فائدة بلاغية. والله تعالى أعلم.

6. { (( (( (( (( هُوَ (( (( (( (( عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (( (( }

(1) انظر: تفسير الصنعاني ج 2 ص 335, تفسير الطبري ج 13 ص 134، في ظلال القرآن ج 5 ص 84،85، صفوه التفاسير ج 2 ص 79, 80.

(2) انظر: حجة القراءات ص 373، المغنى في توجيه القراءات العشر ج 2 ص 287.

(3) الكشف ج 2 ص 22.

(4) انظر: الحجة في القراءات السبع ص 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت