الصفحة 1 من 12

تقييم بعض جوانب اختلالات العلاقة الوظيفية بين البنك المركزي والمصرف الإسلامي - د. ياسر عبد الكريم الحوراني

فقد تركز البحث على معالجة أهم الأدوار الوظيفية المنوطة بأداء البنك المركزي في نطاق تعامله مع المصرف الإسلامي. وقد حاول البحث الوقوف على طبيعة الاختلالات المؤثرة في جانب سلطة البنك المركزي النقدية والرقابية على المصرف الإسلامي، واقتصر الحديث على منشأ العلاقة بينهما ووظائف البنك المركزي العامة، وبعض الأمور الجانبية المرتبطة بها، مثل: وظيفة الحد الأدنى لمتطلبات الاحتياطي القانوني، وارتباطه بالزكاة، واستحقاق الفائدة، إلى جانب الوظائف الأخرى، مثل: وظيفة البنك المركزي كمقرض أخير، وسياسة سعر الخصم، وعمليات السوق المفتوحة، وتقييم هذه الوظائف حسب آليات جهاز المصرف الإسلامي.

وقد انتهى البحث إلى نتيجة هامة تتمثل بضرورة تكييف البنك المركزي لبعض الآليات والأدوات المصرفية المستخدمة لتنسجم مع معطيات الشريعة، ومنها إبدال الفائض الربوي المستحق بأشكال مقبولة لدى المصرف الإسلامي كالمشاركة والمضاربة ونحو ذلك، إلى جانب ضرورة إسهام المصرف الإسلامي لحل بعض الإشكاليات وفق آلية العمل المصرفي الإسلامي الجماعي، أي عبر قنوات مصرفية دولية خارج إطار الإقليم الواحد، وذلك للحد من لجوئه واعتماده على البنك المركزي داخل الإقليم ما أمكن ذلك.

تقييم بعض جوانب اختلالات العلاقة الوظيفية بين البنك المركزي والمصرف الإسلامي

يلعب البنك المركزي دورًا مهمًا في تمثيل الدولة وسيادتها على أنشطة الحياة الاقتصادية، وذلك من خلال التحكم باتجاهات التعامل النقدي في السوق، وضبط السياسة النقدية، وتوجيه الموارد ومجالات الإنتاج نحو الاستخدام الأمثل، وإصدار الأوراق النقدية، والمحافظة على مستويات الدخول والأسعار، ومراقبة أسعار الصرف، واتخاذ التدابير اللازمة لاستقرار الحياة الاقتصادية، إلى غير ذلك من المهام والوظائف الكثيرة.

غير أن البنك المركزي يزاول وظائفه عامة ومباشرة لضبط عرض النقد والتحكم بالقاعدة النقدية، وأهمها متطلبات الحد الأدنى للاحتياطي، وتطبيق آلية سعر الخصم، ودور المقرض الأخير، وعمليات السوق المفتوحة، وبالرغم من أهمية الأدوار الوظيفية التي ينهض بها البنك المركزي من خلال تحمله لأعباء المسؤولية القانونية فإن ثمة اختلالات وإشكالات جوهرية يواجهها في إطار علاقته مع الجهاز المصرفي الإسلامي الذي يعتمد آلية التعامل المصرفي الخالي من الربا.

وتنحصر مشكلة البحث في التناقض الواضح بين مهام الرقابة القانونية للبنك المركزي المستمدة من أحكام وتشريعات وضعية وبين مهام الرقابة الشرعية للمصرف الإسلامي المستمدة من أحكام الشريعة وقوانين الفقه الإسلامي، ويشكل الفائض الربوي جوهر المفارقة بين الرقابتين وبالتالي يشكل جوهر المشكلة التي يتمحور حولها مدار البحث.

ومن هنا فإن البحث يفترض أن التعامل المصرفي الخالي من الربا هو المعيار الموضوعي السليم والأكثر ملاءمة لبلورة علاقات جديدة بين البنك المركزي والمصرف الإسلامي، تتضمن أشكال الاستثمار الشرعي لرأس المال النقدي، وتستوعب كافة أنماط التبادل الأخرى الخالية من الربا. ونتيجة لذلك فقد جاء البحث مشتملًا على المحاور الأساسية لاختلالات العلاقة في ثلاثة مباحث هي:

المبحث الأول: بعنوان: نشأة وتطور العلاقة بين البنك المركزي والمصرف الإسلامي، ويندرج تحته نشأة البنك المركزي، ونشأة وتطور البنى الوظيفية والبحثية في المصرف الإسلامي، وتطور العلاقة بين البنك المركزي والمصرف الإسلامي، ومنشأ اختلال العلاقة القانونية بينهما.

المبحث الثاني: بعنوان: متطلبات الحد الأدنى للاحتياطي النقدي. ويندرج تحته مفهوم وطبيعة اختلال العلاقة للاحتياطي النقدي، وعلاقة الاحتياطي النقدي بالزكاة، والفائدة المستحقة.

المبحث الثالث: بعنوان: وظيفة المقرض الأخير وسياسة سعر الخصم وعمليات السوق المفتوحة.

المبحث الأول

(نشأة وتطور العلاقة بين البنك المركزي والمصرف الإسلامي)

ظهرت فكرة إنشاء البنك المركزي بصيغته التنظيمية المعاصرة مع نشوء الدولة الحديثة وسيادة القانون فيها. وتحولت الأعمال والواجبات المنوطة بالبنك المركزي من الحالة التقليدية الأولة التي لم تخضع لمفاهيم ومبادئ واضحة ومحددة إلى حالة وظيفية أخرى تقوم على مبدأ العلم والفن في آن واحد، معتمدة على مبادئ واضحة في سياسة التدخل في الحياة الاقتصادية تحقيقًا لأهداف المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية والتخطيط الاقتصادي (البنك المركزي الأردني، 1989، ص 1) .

والواقع أنه حتى نشوء الدولة المعاصرة لم تظهر أهمية وجود بنك مركزي أو سلطة مالية ومصرفية تابعة لكيان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت