الصفحة 4 من 12

وأما في جانب الرقابة القانونية -وهي محل البحث- فإن الاختلالات الوظيفية للمصرف الإسلامي تظهر بوضوح من خلال العلاقات الائتمانية والنقدية مع البنك المركزي على ما سيأتي بيانه، ويكتسب البنك المركزي حقه في فرض الهيمنة والتحكم في السياسة المصرفية للبنوك لأنه يمثل السلطة الفعلية لإرادة الدولة في تطبيق القانون، ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية تمنح الدولة سلطات ومسؤوليات مباشرة في رعاية المصالح العامة، والمصلحة العامة هي كل ما يرفع حرجًا أو يدفع ضرورة قطعية عن سائر الأفراد (الغزالي، 1971 م، ص 207) ، ويستند التكييف الشرعي في جوهره حول هذه المسألة إلى ما يطلق عليها فقهاء الشريعة مصطلح"المقاصد الشرعية"، ويعني حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، حيث اعتبروا أن هذه المقاصد تقع في رتبة الضروريات وأن الوسائل المؤدية إلى صيانتها والمحافظة عليها هي من أقوى المصالح (الغزالي، د. ت، ص 174) ، ولذا فإن تدخل البنك المركزي بهذا الوجه يعد ضرورة لحفظ المال ومن ثم فهو مصلحة أكيدة يحث عليها الشرع.

إلا أن تدخل البنك المركزي في هذا المجال ليس مقتصرًا على هدف المال وإنما يمتد تأثيره لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية الشاملة من خلال توجيه الاستثمارات في قطاعات محددة واستخدام الأدوات النقدية المناسبة في حالات التوسع والإنكماش الاقتصادي ومراعاة حالات التوازن الاجتماعي بين المستثمرين والمدخرين وما شابه ذلك من إجراءات (النبهان، 1986 م، ص 101) .

ويعود سبب نشوء الاختلالات في علاقات المصرف الإسلامي بالبنك المركزي إلى وجود التناقض الواضح في عملية الرقابة الشرعية المستمدة من أصول الشريعة الإسلامية وعملية الرقابة القانونية للبنك المركزي المستمدة من قوانين وضعية. ولذا فإن إعادة تصويب مثل هذا الواقع الذي نشأت فيه المصارف الإسلامية وهو يفتقر إلى معطيات الشريعة يقتضي النظر الجاد في محاولة استنباط علاقة جديدة بين المصرف الإسلامي والبنك المركزي أكثر ملاءمة لأنظمة ونشاطات المصارف الإسلامية الخالية من الربا (قيلي، 1986 م، ص 16) . ولا شك أن محاولة إيجاد علاقة مصرفية مستنبطة من واقع الحياة المعاصرة في إطار أحكام الشريعة لا يعتمد في نجاحه على إلغاء العائد على رأس المال أو عدم التعامل بالربا فحسب، حيث أن من المعروف أن حركة المصرف الإسلامي تخضع في ممارسة نشاطاتها لأوعية تنظيمية مستوحاة تمامًا من هياكل المؤسسات الربوية دون إحداث فحوصات عميقة للفرق الجوهري بين الاتجاهين.

ومن هنا فإنه ينبغي ولو بشكل تدريجي الأخذ بقاعدة التغيير الجوهري وإعادة ترتيب أوضاع المنشأة المصرفية الإسلامية والمؤسسة الشرعية اللاربوية وفق رؤى وأطر وهياكل جديدة تتناسب مع طبيعة الطرح التكاملي والشمولي لمنهج الإسلام (الخليفة، 1996 م، ص 56 - 57) .

يعود منشأ الاختلال لواقع العلاقة المتبادلة بين البنك المركزي والمصرف الإسلامي إلى عدم وجود صياغة شرعية ملاءمة لطبيعة عمل الجهاز المصرفي الإسلامي. فالتشريعات القانونية السائدة لا تفصل في مبدأ الرقابة بين مصرف إسلامي وآخر غير إسلامي، مما ينتج عن ذلك إخضاع عمليات الجهاز المصرفي الإسلامي لنفس الإجراءات القانونية مع عدم تجانسها وتباينها الواضح مقارنة بالبنوك الأخرى.

فالبنوك بوجه عام إما أن تكون تجارية أو غير تجارية، والينوك التجارية تساهم في إعادة تدوير الأموال وسرعة تسييلها أكثر من البنوك غير التجارية، لأنها تعتمد بالدرجة الأولى على الودائع تحت الطلب المسحوبة بشيك، وودائع أخرى قصيرة الأجل، ولاشك أن هذه الآلية تؤثر على القاعدة النقدية وعرض النقود مما يدخل مباشرة في إطار اهداف البنك المركزي الرامية لضبط عرض النقد وسياسات الائتمان، وخلافا لذلك فإن البنوك الإسلامية لا تعتبر تجارية بالمعنى الشائع حيث لم تباشر عملياتها المصرفية وفق الأساليب المعتمدة من البنوك التجارية، ولذلك لا تؤثر بنفس الدرجة على العرض النقدي (حسن،1985 م، ص 29) .

وفي إطار العلاقة غير المتكافئة في فرض التشريعات القانونية بين البنوك العاملة مجتمعة، فإنه ينبغي إعادة المصرف الإسلامي وفق أسس أخرى غير تجارية، لأن المصرف الإسلامي يقوم بكافة العمليات المتخصصة في المجالات الاستثمارية مثل الزراعة والصناعة والمقاولات والتنمية وغيرها، ومن شأنإحداث أية تغييرات جوهرية للرقابة القانونية المفروضة على سياسات المصرف الإسلامي أن تحد من نسب الحد الأدنى للاحتياطي، أو تعيد تكييف هذه النسب بناء على نفس المنطلقات التشريعية التي تهدف إلى حماية ودائع الأفراد، وذلك أن مجال النشاط المصرفي الإسلامي لا يقوم على توظيف ودائع الأفراد على أساس مبادلة النقد وإنما استثمار هذه الودائع وتحملها لمخاطر الاستثمار بين المودع والمصرف الإسلامي واشتراك الطرفين في نتائج الربح والخسارة.

وكذلك فإن إعادة النظر في منشأ الرقابة القانونية ومحاولة تصويبه يسمح بتغييرات جوهرية لاتساق أداء المصارف الإسلامية في نطاق الإقليم الواحد بدلا من تقسيم بعضها إلى بنوك تجارية والبعض الآخر إلى بنوك غير تجارية. ويسمح في نفس الوقت بتوحيد النماذج المخططة من البنك المركزي وفق النشاطات المصرفية الحقيقية التي يمارسها المصرف الإسلامي واعتماد الفتاوى والتعاملات الشرعية التي يلتزم بها مما يؤكد ضرورة إعفاء المصرف الإسلامي من نسب الاحتياطي الثابتة وإعفائه من القيود المفروضة على ممتلكاته من الأصول الثابتة أو المنقولة حيث لا وجود لأخطار محتملة لعدم وجود القروض أصلًا (المصدر نفسه، ص 30 - 32) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت