الدولة إلا في سياق أزمة تجارية وقعت في أمريكا عام 1907 م، وقد أفصحت هذه الأزمة عن أهمية قصوى لوجود هيئة مصرفية تشرف على النشاط المصرفي برمته وتتمتع بسلطات حقيقة ممنوحة من الدولة نفسها، فكان إنشاء أول بنك مركزي في أمريكا عام 1920 تخضع له في أعمال الرقابة والإشراف سائر المؤسسات المالية والمصرفية (عجمية، 1975 م، ص 197 - 198) .
ومع أن تبرير الواقع لممارسة البنك المركزي لمسؤولياته المصرفية يدخل في نطاق واجبات الدولة ومسؤولياتها المباشرة في حفظ الأمن الاقتصادي وعدم حدوث أية اختلالات تضر بمصالح الأفراد، فإنه يبقى مثار جدل إلى أي مدى يمكن أن تطغى تدخلات الدولة تحت ذريعة المحافظة الأمنية المتعلقة بسياسة المال على حرية الأفراد والجماعات وممارسة حقها وحريتها في استخدمات الودائع وتوجيه الاستثمار. ولربما تصبح هذه الرؤية أكثر مصداقية وقبولًا من إمكان رفضها أو عدم الاكتراث بالنظر إليها إذا علم أن البنك المركزي ما زال يواجه اختلالات مالية واقتصادية في ظل رقابته الصارمة على مؤسسات المال ونشاط البنوك، وحتى أن نظام الاحتياط الفيدرالي (Federal Reserve System) ، الذي يقوم بمهمة الإشراف على البنوك والنظام النقدي في أمريكا قد حقق فشلًا ذريعًا في معالجة ثلاث أزمات اقتصادية عنيفة متتالية أدت إلى تراجع كبير في الاقتصاد الأمريكي، يقول"فريدمان"أحد مشاهير المدرسة النقدية في الاقتصاد المعاصر حول مسألة تدخل الحكومة عن طريق نظام الاحتياط الفيدرالي إن الحكومة"تحملت هذه المسؤولية بشكل غير بارع بحيث أنها أحالت ما كان يمكن أن يكون ركودًا اقتصاديًا معتدلًا إلى كارثة اقتصادية كبيرة" (فيردمان، 1987 م، ص 39) .
ولكن في الوجه المقابل لم يكن تدخل الدولة في الإسلام في نشاطات الأفراد مرهونًا بإرادة مطلقة، ولم تكتسب حق التدخل إلا في إطار قواعد وضمانات محددة، مثل: تحقيق أهداف المصلحة العامة، والالتزام بالمقاصد الشرعية، وعدم التعسف في أسلوب التدخل (النبهان، 1981 م، ص 122 - 125) ، لأن الفرد هو محور اهتمام الشريعة في تقنين الأحكام، وأن إطلاق إرادة الفرد لتنمية شخصيته لا تنطبق إلا من مبدأ الحرية التي رعاها الإسلام في تنظيماته لشؤون الحياة.
ويمثل"بيت المال"صورة تطبيقية تقريبية لتدخل الدولة الإسلامية في مجال سياسة المال وبعض وجه النشاط الاقتصادي، ويعد بذلك المؤسسة الاقتصادية الأولى في النظام الاقتصادي الإسلامي من حيث ما يقوم به من أدوار اقتصادية مشابهة إلى حدٍ ما بعض أدوار البنك المركزي، ولكن مع وجود الاختلاف الجوهري عما هو متحقق حاليًا من أنشطة اقتصادية واسعة، وتبادلات مصرفية معقدة يقوم بها الجهاز المصرفي بوجه عام.
وفي هذا الصدد يمكن حصر أبرز المسؤوليات المصرفية لبيت المال في الأوجه الآتية (عبد المنان، ص 205) :
أولًا: المحافظة على أموال المسلمين المودعة في خزانة الدولة على شكل أمانات تسترد وقت الحاجة إليها من قبل أصحابها.
ثانيًا: المسؤولية المباشرة عن الأموال التي تقع ضمن ملكية الدولة، وصرف هذه الأموال في تسديد رواتب الجند وشراء معدات الحرب ورعاية المصالح العامة للبلاد.
ويتضح من ذلك أن نشأة بيت المال من خلال البدايات الأولى لظهور الدولة الإسلامية في المدينة يشكل النواة الحقيقة لفكرة مصرف مركزي إسلامي، وذلك أن من أهم الواجبات الموكولة للبنك المركزي قيامه بتسديد مدفوعات الدولة وحفظ ودائعها ومعالجة جوانب العجز في موازنتها لا سيما في حالة الحروب والأزمات إضافةً إلى دوره في إدارة وتنظيم النقد، والتحكم في آليات العرض النقدي وفقًا لسياسات التوسع والإنكماش الاقتصادي، وحسبما تقتضيه ضرورة المصلحة العامة لمجموع الأفراد.
أولًا: تطور البنى الوظيفية:
يعد مبدأ تحريم الربا أو ما يسميه البعض إلغاء العائد على رأس المال الحافز الأهم في بلورة فكرة إنشاء المصارف الإسلامية. إلا أن هذه الفكرة لم تظهر إلى حيز الوجود حينما ولدت الدولة الإسلامية في المجتمع المدني الذي أعلن الخروج على المرابين وترسيخ التحريم القاطع لأية زيادة ربوية فوق رأس المال، كما جاء في الآية الكريمة: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} (البقرة: 279) ، ولم تتبلور فكرة وجود مصرف إسلامي إلا بعد ازدياد عمليات التبادل وتعقد أنشطة الحياة الاقتصادية وانتشار أسواق تعتمد كليًا في رواجها وكسادها على أسعار ومعدلات الربا.
ومما لا شك فيه أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي أسهم بشكل واضح منذ بدايات هذا القرن بإعادة التفكير وإحياء الإرادة والعزيمة لدى الشعوب الإسلامية بضرورة مقاومة هيمنة الاستعمار الذي اقتسم خيرات الشعوب المسلمة وصنفها إلى دول متخلفة أو نامية تستجدي مؤسسات المال الدولية للحصول على القروض الربوية والمساعدات أو أي شكل من أشكال التبعية. وإنصافًا للحقيقة فإنه يمكن اعتبار الصحوة الإسلامية التي ابتدأت انطلاقتها ما قبل منتصف هذا القرن هي أول من نادى في إطار الفكرة الجماعية الموحدة لاستئصال هيمنة المستعمر وتحرير الشعوب المسلمة من طوق التخلف المفروض عليها (1) .
وكانت المحاولة الأولى لبناء الصرح المصرفي الإسلامي في عام 1963 م من خلال مشروع"بنوك الإدخار المحلية"الذي باشر أعماله المصرفية التنموية في قرية"ميت غمر"في مصر وفق مبدأ تحريم الربا (ريدي،