سعر الخصم، فلو فرض أن هذه السياسة مثلًا اتجهت نحو تكييف الاستثمار في قطاعات محددة أو تشجيع التصدير في سلع معينة أو توجيه الإنتاج لاستقطاب العملة الصعبة، فإن المصرف الإسلامي لن يستفيد من التسهيلات الممنوحة من خلال سياسة سعر الخصم لتحقيق هذه الأهداف، لأن سياسة سعر الخصم تجري من خلال قنوات ربوية، وينعكس ذلك سلبيًا على المصرف الإسلامي والبنك المركزي سواء بسواء، فالمصرف الإسلامي لا يتمكن من القيام بمهمة تصدير البضائع والسلع إلا بتكاليف جديدة مضاعفة على العملاء (شحادة، 1987 م، ص 27) مما يقلل من فرص المنافسة الحقيقية في مواجهة البنوك التقليدية، وأما بالنسبة للبنك المركزي فإن اعتماده على مبدأ الفائض الربوي في سياسة الخصم من شأنه أن يحد من الاستخدام الأمثل لأدوات السياسة النقدية لأن المصرف الإسلامي يمثل في الغالب قوة مالية ونقدية فاعلة ومؤثرة على مستوى الجهاز المصرفي ككل، وذلك بفضل ما لديه من فائض سيولة لا تسمح سياسة الفائض الربوي باستخدامها أو الانتفاع بها.
إلا أنه يستطيع البنك المركزي أن يتبنى بدلًا من آلية سعر الخصم صيغة ملائمة لأحكام العمل المصرفي الإسلامي كالمشاركة في الربح والخسارة، وعن طريق تطبيق هذه الصيغة الجديدة يستبدل الحد الأدنى والأعلى لأسعار الفائدة بالحد الأدنى والأعلى لنسب الأرباح والخسارة، وتخضع بذلك جميع أشكال السلف والودائع والتحويلات الممنوحة للمصرف الإسلامي لآلية العمل الاستثماري الذي بدوره يخضع للربح والخسارة (مجلس الفكر الإسلامي، 1984 م، ص 82، 84) ، ويمكن توزيع الأرباح في عمليات المشاركة على أساس التحكم في حجم علاوة الإدارة، ويقصد بهذه العلاوة أن الأرباح الموزعة في اتفاق المشاركة بين البنك المركزي والمصرف الإسلامي يتم تجنيب نسبة منها كمكافأة عن إدارة نشاط الأعمال أو ما يسمى الوظيفة الاستثمارية، ويتم تخصيص الجزء المتبقي لتوزيعه بين الطرفين حسب رأس المال (الهندي، 1989 م، ص 29) .
ويمكن أن يتحدد شكل مشاركة البنك المركزي في إطار الصيغة الشرعية على نمط مماثل للتأثير الذي يحدثه التغير في سعر الفائدة، فيقوم البنك المركزي باعتماد سياسة تغيير نسب المشاركة في الأرباح للتمويلات الممنوحة بما يتماشى مع أهدافه الرامية لضبط الائتمان وتنظيم الطلب على التمويل المصرفي بوجه عام (قيلي، 1986 م، ص 18 - 19) ، فحينما يهدف البنك المركزي إلى توسيع مظلة الائتمان تتوقف مشاركته على تحقيق هامش ربح أقل وبعكس ذلك يزيد من هامش الربح، وتبعًا لذلك يتأثر الهامش الصافي للربح الذي يحققه المصرف الإسلامي مما يسهم في ضبط تمويلاته ومجال مشاركته في إحداث الائتمان المرغوب (6) ، كما يمكن للبنك المركزي في هذه الحالة التكيف مع السياسة الائتمانية من خلال مراعاة مبدأ المشاركة التفضيلية لقطاعات محددة وكذلك الحد من انسياب التمويل لقطاعات غير مرغوب فيها حسبما تقتضيه متطلبات ضبط الائتمان والتحكم بنسب السيولة التمويلية.
ومن جهة أخرى يستطيع البنك المركزي أن يدخل في صيغة المضاربة بدلًا من سياسة سعر الخصم مع المصرف الإسلامي، وفي هذه الحالة إذا أراد خفض حجم الائتمان يزيد من حصة المصرف الإسلامي في أرباح المضاربة، والعكس صحيح في حالة قيام البنك المركزي بزيادة حجم الائتمان (الهندي، 1989 م، ص 29) .
تعد عمليات السوق المفتوحة واحدة من أهم أدوات السياسة النقدية للبنك المركزي، ويقصد بهذه الأداة لجوء البنك المركزي لبيع وشراء الأوراق المالية وأهمها السندات الحكومية بهدف التأثير على حجم عرض النقد تبعًا للأوضاع الاقتصادية السائدة.
ففي حالة التضخم التي تمثل ارتفاعًا متزايدًا في الأسعار يلجأ البنك المركزي إلى بيع السندات لاحتقان العملة الوطنية وامتصاصها من القاعدة النقدية مما يترتب عليه ارتفاع معدلات الفائدة وتقليص الائتمان وبالتالي تحريك منحنى الطلب بالاتجاه الذي يضغط مستوى الأسعار نحو الأسفل، وفي حالة البطالة تحدث هذه العملية بطريقة عكسية فيلجأ البنك المركزي إلى شراء السندات فيزيد من عرض النقود وتنخفض معدلات الفائدة ويتحرك منحنى الطلب بالاتجاه الذي يحقق معدلات أعلى في الأسعار (مانسفيلد، 1988 م، ص 254) ، وبذلك يتمكن البنك المركزي من تصويب أوضاع النقد من خلال الاستجابات السريعة في مؤشرات عمليات السوق.
وليس من أدنى شك أن أهداف البنك المركزي ترمي من جراء استخدام عمليات السوق المفتوحة إلى ضبط سوق النقد ومراعاة ظروف الاقتصاد وحال السوق بوجه عام. ومن جهة أخرى فإن هذه العمليات تنسجم مع السياسة الكلية للدولة من حيث تحقيق مستويات الرفاه المطلوبة والرخاء المخطط للأفراد ضمن أهداف التوسع والانتعاش أو الانكماش الاقتصادي.
غير أن عمليات السوق المفتوحة تخرج عن الإطار المبدئي الذي لا يخالف معطيات الشريعة إلى إطار آخر قائم على آلية التبادل بالسندات وهي آلية بطبيعة الحال مخالفة لأحكام الشريعة لأن السندات تمثل صورة من صور عقد القرض، وتحمل فائدة ثابتة (فائض ربوي) من قيمتها الإسمية، فتتحول بهذا الشكل إلى أحد أشكال القروض الربوية، مما يعني بطلان العقد وعدم جواز الإصدار والتبادل بها بيعًا وشراءً (السالوس، 1983 م، ص 85 - 86) .
وعلى أساس عدم جواز التعامل بالسندات لما تحمل من فائض ربوي يصبح موقف المصرف الإسلامي وعلاقته ب البنك المركزي في هذا الإطار غير سليمة من الوجهة الشرعية، لأن أساليب المصرف الإسلامي قائمة على