الصفحة 3 من 12

1970 م، ص 30). وبالرغم من قصر الفترة الزمنية التي عاشتها هذه المحاولة والتي لم تتجاوز أربع سنوات فهي تبقى التجسيد الأول للطروحات المصرفية الإسلامية وقدرته على تغيير النمط المؤسسي الغربي في مجال المصارف وتكييفه مع اتجاهات الوسط الاجتماعي الإسلامي المغاير من الناحية الحضارية والنفسية، (رفيق المصري، 1987 م، ص 325 - 326) .

ومع بداية السبعينات دخلت أفكار المصرف الإسلامي في تطبيقات جادة وإسهامات مهمة ابتدأت بانعقاد المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي في مكة المكرمة عام 1976 م، ومن بعده المشروع المصرفي لنموذج اقتصادي متكامل لا يعمل بسعر الفائدة قدمه مجلس الفكر الإسلامي في الباكستان، وتوسع بعد ذلك البنيان الوظيفي لجهاز المصرف الإسلامي ليمتد إلى (45) دولة عربية وغير عربية وانتقلت بعض الدول إلى أسلمة النظام المصرفي كاملًا مثل إيران والباكستان والسودان (الخليفة، 1996 م، ص 53) .

ثانيًا: تطور البنى البحثية:

فقد رافق عملية التوسع في إنشاء المصارف الإسلامية اهتمام متزايد في تأصيل الأفكار المصرفية، وفق الشريعة الإسلامية، وتنامى هذا الاهتمام الفكري وبخاصة في عقد الثمانينات حتى كاد أن يغطي مساحة واسعة من أشكال النشاط المصرفي، واشتمل البحث حينئذٍ على عناوين بارزة متنوعة، مثل بيع المرابحة والمضاربة والمشاركة والتأجير التمويلي والإجارة المنتهية بالتمليك، ومناقشة الحكم الشرعي فيما يتعلق بتوزيع العائد على الاستثمار، والاعتمادات المستندية، وخطابات الضمان والأوراق المالية وعمليات المقاصة وشهادات الاستثمار، وكذلك التطرق إلى بعض القضايا المهمة مثل تحليل الجوانب المحاسبية والصعوبات التي تواجه المصارف الإسلامية وكيفية توظيف الموارد واستخداماتها ودور الرقابة الشرعية وعلاقة بعض القيم الإسلامية بأداء عمل المصارف الإسلامية، مثل: علاقة المصرف الإسلامي بالعقيدة والأخلاق والدعوة والزكاة وتنمية المجتمع، وإسهامات هذه المصارف بمنح القرض الحسن وتمويل صغار المنتجين والأسر الفقيرة والمنتجة وقطاعات الحرفيين إلى غير ذلك من المهام الكثيرة.

وتنوعت آليات العمل البحثي عبر أساليب كثيرة منها عقد المؤتمرات والندوات والحلقات في دول كثيرة شارك فيها العديد من فقهاء الشريعة وعلماء الاقتصاد وخرجت بتوصيات لا حصر لها (2) . ومنها إصدار الدوريات المتخصصة عن طريق مراكز البحث العلمي وقيام الكثير من المصارف الإسلامية بنشر وإصدار الدوريات المالية والاقتصادية حيث تقدم شروحات نظرية وتطبيقية معاصرة في مجال الاقتصاد الإسلامي (3) . ومنها إنشاء مراكز بحث وجميعات وأقسام أكاديمية جامعية في كليات الاقتصاد والشريعة في بلدان كثيرة أسهمت في ازدياد الأهمية الكبيرة لواقع المصرف الإسلامي، وقد نتج عن هذه المراكز والمؤسسات البحثية مناقشة المئات من رسائل الدراسات العليا على مستوى الماجستير والدكتوراه (4) .

ولكن مع وجود مثل هذه التغطية شبه الشاملة لقضايا المصرف الإسلامي في مجال البحث العلمي فإنه لا زال هناك مشكلات حقيقية تواجه انطلاقة المصرف الإسلامي في واقع الحياة، ومن المؤكد أن ظهور هذه المؤشرات في سياق الحديث عن نشأة وتطور البنى الوظيفية والبحثية للمصرف الإسلامي لا تعد من قبيل الثغرات الاختلالية إلا بالقدر الذي لا يعكسه جوهر النظام المصرفي الإسلامي على واقع الحياة المعاصرة، وأيضًا بالقدر الذي لا يرقى فيه هذا التطور إلى الطموحات والتطلعات المنشودة، وفي هذا الصدد تعتبر أهداف الرفاه الاجتماعي وتحقيق أغراض التنمية وفق أسس شرعية غير ربوية من أكثر الرؤى قبولًا وأعمقها غورًا في محاولة الإنعتاق من سيطرة الاقتصاد على علاقات الأفراد والدول، وأيضًا علاقات المصرف الإسلامي مع وجوده الشرعي في إطار التعامل مع السلطات المنظمة ممثلة بالبنك المركزي، مما يعني بالتالي تكريس الجهد العلمي لاستنباط علاقات جديدة متميزة وفق التكييف الشرعي للحياة المعاصرة.

تتأثر علاقة البنك المركزي بالمصرف الإسلامي تبعًا لطبيعة العمل المصرفي الملتزم بأحكام الشريعة الإسلامية التي تمثل قانونًا جوهريًا في تقييم أداء المصرف الإسلامي ومعاملاته من حيث الصحة أو البطلان.

ولذا فإن إجراءات المصرف الإسلامي تخضع لثلاثة أشكال من الرقابة وهي:

أولًا: الرقابة الشرعية: ويختص بها فقهاء متمرسون في أحكام المعاملات المالية، ويستند تبرير وجود مثل هذه الرقابة انطلاقًا من التزام المصرف الإسلامي بعدم التعامل بالربا أخذًا وعطاءً.

ثانيًا: الرقابة الفردية أو الداخلية: ويقوم بها مجموعة المساهمين لأنهم أصلًا أصحاب رأس مال.

ثالثًا: الرقابة القانونية: وتتولى الدولة مسؤولية القيام بهذه الرقابة من خلال البنك المركزي، وتبرر هذه الرقابة على أساس أن المصرف الإسلامي يمارس نشاطاته المصرفية في إطار دولة يحكمها قانون ودستور وتشريعات خاصة بها.

والواقع أن المصرف الإسلامي يواجه اختلالات في علاقات العمل المصرفي في جميع أشكال الرقابة المفروضة عليه، ففي جانب الرقابة الشرعية مثلًا يواجه صعوبة ازدواجية التخصص لهيئة الرقابة الشرعية، أي عدم وجود فقهاء يحيطون بجوانب العمل المصرفي وإجراءاته المتنوعة بشكل كافٍ، علاوة على الاكتفاء أحيانًا بوجود مستشار شرعي بدلًا من وجود هيئة رقابة شرعية متكاملة (ملحم، 1989 م، ص 257) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت