المحتجزة غير المنتجة والتي لا تحقق عائدًا أو مردودًا اقتصاديًا لأصحابها، ولربما تعد هذه العملية من وجهة نظر المصرف الإسلامي غير منطقية لأن خصم نسبة الزكاة من الاحتياطي يعني تآكل مستمر لرأس المال المعطل، ويفضي هذا الوضع في النهاية إلى خسارة محققة في القيمة الإجمالية لرأس المال، وذلك من وجهين أحدهما أن رأس المال المودع على شكل احتياطي لا يستفاد منه في عمليات المشاركة أو المرابحة أو أية عملية إنتاجية ممكنة، وثانيهما أنه رأس مال معطل عن إمكانية تحقيق ربحية مفترضة من قبل المساهمين والمودعين، ومن أجل ذلك فإن المصرف الإسلامي يلجأ عن طريق آلية الرقابة الشرعية إلى الأخذ بفتاوى مبنية على أساس رخص شرعية أو بالأحرى اتخاذ مواقف متساهلة في هذا الجانب لتجاوز إشكالية العلاقة الاختلالية في مجال دفع الزكاة، ويت ضح هذا المنحى وفق كثير من المبررات أمها (السائح، 1987، ص 15) :
-الزكاة لا تجب في نصاب مشترك.
-لا يجوز للشريك أن يخرج زكاة عن شريكه إلا بإذنه.
-إن المصرف الإسلامي لا يملك الاحتياطي ملكًا مطلقًا لأنه في حكم الودائع والأمانات المخصصة لغرض خاص.
حيث ارتأى بعدما تكاثرت الأموال في عصره أن t- حجية تصرف عثمان تتبعها لاستخراج الزكاة منها يشكل ضررًا بأصحابها ففوض الأداء إليهم بإجماع الصحابة، وصار أرباب الأموال كالوكلاء عن ولي الأمر.
ولكن لا تعد هذه الأدلة والتبريرات سليمة من الوجهة الشرعية بقدر ما هي سليمة من الوجهة التكييفية، حيث ترمي إلى تجسير العلاقة الاختلالية بين الرقابة القانونية والرقابة الشرعية، وهي في رأي الباحث محاولة لتضييق حدة الاختلالات وتأثيراتها بمخارج شرعية ينقصها الإحاطة والشمول، ويمكن توضيح ذلك بالنقاط الموضوعية الآتية:
1 -أن الفقهاء ناقشوا وجوبية الزكاة في النصاب المشترك فيما يدخل في موضوع الخلطة، وكان المقصود عندهم بالخلطة الاشتراك في تربية وملكية الأنعام لأكثر من شخص، غير أن الشافعية ذهبوا إلى أبعد من ذلك فقاسوا خلطة الأنعام على خلطة الزروع والثمار والدراهم والدنانير، وقالوا بأن الخلطة تؤثر في الدراهم والدنانير (النووي، 2/ 172،- 173) . وبالتالي فإن دفع الزكاة في المال المشترك يتأثر وفق تغير الأنصبة لأن النصاب المشترك يعامل كوحدة واحدة، وستتبع ذلك أن الشرك يدفع زكاة مال شريكه لأن المال هنا يصب في قناة زكوية واحدة.
2 -والقول بأن الاحتياطي يدخل في باب الأمانات للغير وأنه غير مملوك على إطلاقه للمصرف الإسلامي هو قول غير سديد لأن الاحتياطي يسهم من وجهة النظر الائتمانية في ضمان تغطية نقدية لأية مخاطر محتملة ضد ودائع الأفراد، أي أنه يقوم بدور وظيفي لمصلحة النشاط المصرفي لسائر العمليات المنوطة به. وإذا فرض جدلًا أن الاحتياطي من قبيل الأمانات فهي أمانات نقدية معطلة عن الانتفاع بها في مجالات إنتاجية غير تغطية الائتمان، وتدخل في حيز الاكتناز وحبس الأموال التي نهى الإسلام عنها وحث على إخراج الزكاة فيها من أجل تسريع تداولها والاستفادة من تثميرها وتشغيلها بدلًا من حبسها (5) ، فالمعلوم أن الثروة المعطلة تفقد (25%) من قيمتها الإجمالية عند دفع الزكاة في مدة (12) سنة، وتفقد (90%) من قيمتها الإجمالية في (100) سنة (قحف، 1979 م، ص 118) . ويستفاد من ذلك أن على المصرف الإسلامي أن يحاول وضع أسس منهجية نحو إعادة صيغة التعاقد مع البنك المركزي حول قانونية التصرف بالاحتياطي وفق أشكال الاستثمار المختلفة، والاعتراف ضمنيًا بعدم جدوى حبس أموال الغير وتعطيل الانتفاع بها مما يعزز من تضافر الجهود لحل مشكلة مطروحة واختلال قائم بدلًا من التماس مخارج تكيفية لهذه الغاية.
3 -وأما الاحتجاج بتصرف عثمان رضي الله تعالى عنه بأنه لم يتتبع زكاة الأموال النقدية في عهده بسبب كثرتها وما تحدثه من حرج وضرر يعود على أصحابها، فإن مثل هذا الاحتجاج لا يعتد به في هذا الزمان لأن الضرر المحتمل الوقوع على أصحاب الأموال حين زكاتها في ذلك الزمان غير ممكن وقوعه في هذا الزمان بفضل دقة الإجراءات المحاسبية وسهولة الوصول إلى القيود المالية لكل من وجبت عليه الزكاة في المكان والوقت المناسب. والأهم أنه إذا جاز قبول تصرف عثمان في زمنه فإنما يعود إلى ثقته بأن الناس سيقومون بدفع الزكاة عن خاطرهم لأنهم علموا أولًا موقف الإسلام من مانعي الزكاة وبخاصة في عهد الخليفة أبي بكر رضي الله تعالى عنه حينما أشهر السيف في وجوه الممتنعين عن أداء الزكاة وقال قولته المشهورة:"والله لو منعوني عناقًا- وفي رواية عقالًا- كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتهم على منعها" (الشوكاني، 4/ 119) وهم ثانيًا يحملون ضمائر حية مركوزة في أنفسهم أصح من ضمائر الناس في هذا الزمن لالتزامهم بتطبيق شعائر الإسلام وأحكامه وقربهم من عهد الرسول، ومع ذلك فإن عثمان رضي الله تعالى عنه لم يترك هذه المسألة إطلاقًا وإنما فرق e بين الأموال الباطنة والظاهرة ولم يوكل جباية الأمواغل الظاهرة لضمائر الناس إذ لم تكن جبايتها أمرًا عسيرًا، ويظل تصرف عثمان رضي الله تعالى عنه اجتهادًا قائمًا بذاته يصلح لذلك العصر.
ونتيجةً لذلك فإنه ينبغي على المصرف الإسلامي إعادة النظر في مسألة الزكاة المتعلقة بالاحتياطات المحتجزة، وأن يباشر وفق آلية اقتصادية مناسبة لاقتطاع نسبة الزكاة المقررة (عبد السميع المصري، 1988 م، ص 97) علمًا بأن توزيع مقادير الزكاة المتحصلة تخضع للأسس المعمول بها في صندوق الزكاة التابع للمصرف