ويمكن عدَّها في صنف المختلف في صحبتهم أيضًا. والله تعالى أعلم.
المبحث الثالث
شرح عبارة الحافظ ابن كثير
"ثُمَّ إنَّ الأمامَ أحمدَ قد فاتَهُ في كتابه هذا- مع أنَّه لا يوازيهِ كتاب مسندٌ في كثرته وحسن سياقته- أحاديثُ كثيرة جدًَّا, بل قد قيل إنَّه لم يقع له جماعةٌ من الصحابة, الذين في الصحيحين قريبًا من مائتين" [1] .
يتسنّى لي الآن بعد ما تقدَّم من عدٍّ وإحصاء القول بأنَّ عبارة الحافظ ابن كثير هذه مكوَّنة من شقّين, وفهم معنى الشقُّ الأول مترتب على بيان الشق الثاني, فالثاني- وهو المقدَّم في البيان-: هو في عدَّة الصحابة الرواة في الصحيحين, والأول- وهو الثاني في الترتيب البياني-: هو في مقدار فوات"مسند الإمام احمد منهم".
والذي تقدِّمُه نتيجة هذا البحث: أنَّ كلام الحافظ إذا فُهِمَ على ما فهمه كثير من أعلام العلماء والباحثين [2] = فإنَّه يفيد أنَّ المسند قد فاته كلُّ, أو جلُّ الصحابة الذين في الصحيحين! وهذا محال على حفظ وعلم ابن كثير.
والمخرَج الذي أراه: أن يُقدَّر ضميرُ فصلٍ بعد قوله (الذين) , فتكون العبارة:
"بل قد قيل إنَّه لم يقعْ له جماعة من الصحابة, الذين [هم] في الصحيحين قريبًا من مائتين". فكلامه في عدَّة صحابة الصحيحين لم يعُدْ له تعلُّقٌ بفوات المسند, بل استأنَفَهُ استئنافًا؛ لأنَّنا قد رأينا أنَّ عددَ"الصحابة الذين في الصحيحين, قريبٌ من مائتين"وهذا مطابق- بوجه ما- لقول الحافظ ابن كثير [3] , فحمله عليه أولى من حمل كلامه على ما قيل فيه من غلوٍّ أو مجازفة أو نحو هذه العبارات.
(1) "الباعث الحثيث شرح (اختصار علوم الحديث) " (ص 118 - 119) .
(2) قال العلاّمة أحمد محمد شاكر- رحمه الله- في تعليقه على هذه العبارة من شرحه لاختصار علوم الحديث:"في هذا غلوٌّ شديد, بل نرى أنَّ الذي فات المسند من الأحاديث [كذا] شيء قليل, ..."."الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث" (1/ 119) و (ص 30) في ط/دار الكتب العلميّة.
(3) بطرح المختلف في صحبتهم, وأصحاب الموقوفات, وطبيعة البشر مما يحتمل سقوطه من الأسماء, ونحو ذلك.