الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه, والصلاة والسلام على من أقام شعائر دينه وعلى تقوى من الله أسَّس بنيانه, محمد بن عبد الله بن عبد المطلب, الصادق الأمين, وعلى آله وصحابته- 120 ألفًا أو بالغًا ما بلغوا-, وأزواجه, وذريته, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعدُ فإنَّ من مسلَّمات دين الإسلام أنَّ الله - سبحانه وتعالى - قد تكفَّل بحفظ دينه, وذلك بحفظ كتابه, فقال - عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } [سورة الحجر:9] , وحفظ تبيان نبيه له وهو: سنَّته, أو الوحي الثاني فقال - عز وجل: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) } [سورة النحل:44] , وقال - عز وجل: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) } [سورة النجم: 3 - 4] , وكان من ذلك حفظ الله - جل جلاله - للعلوم المتعلقة بالسنَّة, فكانت البحوث مذ كانت السنَّة, كان البحث عن السنة نفسها, وعن حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قضية بعينها, ثمَّ كان البحث في شواهد الاستيثاق للسنة, ثم في تصنيفها, والبحث في وجه الصواب من مختلف رواياتها, ثم في أحوال نَقَلتِها, ثمَّ في عبارات أئمة نُقَّادها ثمَّ ... وهكذا ثراءٌ إثر ثراء, في عطاء غير منقطع, وعمل دائب.
ولا أكون مبالغًا إذا قلت: إنَّ كلَّ عبارة من عبارات أئمة علوم السنَّة تحتمل بحثًا يجرُّ من ورائه بحوثًا لا تزيد مُجريها إلا مُكنةً في هذا العلم, وهذا دليل عملي على خطأ الدعوى القائلة بانتهاء البحث في علوم الحديث أو أنه علم قد طُبخ واحترق ونحوها.
وهذا البحث يقدَّم دليلًا من الأدلَّة العمليَّة على نقضِ هذه الدعوى؛ فإنَّه بحث في عبارة أطلقها إمام من أئمة علوم الحديث وحفّاظه, وهو الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي, المولود سنة 701, أخذ العلم عن جمع كبير من أئمة عصره, منهم شيخ الإسلام ابن تيميَّة, ومنهم والد زوجه أبو الحجاج المزي, وشمس الدين