الذهبي, وغيرهم, وأخذ عنه الحافظ شهاب الدين ابن حجي وغيره, وكانت له عناية بأقوال شيخه ابن تيمية, وقد صنَّف مصنَّفاتٍ عظيمة, ظهرت بركتها بحفظ الله لها وانتشارها بين المسلمين, ورضا أئمة أهل السنة والجماعة عنها كـ"تفسير القرآن العظيم", و"البداية والنهاية", ومنها:"اختصار علوم الحديث"- الذي فيه النصُّ محلُّ البحث-, اختصر فيه مقدَّمة ابن الصلاح, وقد توفي رحمه الله سنة 774, بعد أن قدَّم للإسلام ما يفخر به كل من ينتسب إلى أُمته بعده, فرحمه الله تعالى رحمة واسعة, وألحقه بمن دُفِنَ في جانب قبره- أعني شيخ الإسلام- [1] .
ونصُّ قوله في"اختصار علوم الحديث":
"ثُمَّ إنَّ الأمامَ أحمدَ قد فاتَهُ في كتابه هذا- مع أنَّه لا يوازيهِ كتاب مسندٌ في كثرته وحسن سياقته [2] - أحاديثُ كثيرة جدًَّا, بل قد قيل إنَّه لم يقع له جماعةٌ من الصحابة, الذين في الصحيحين قريبًا من مائتين" [3] .
وقد عدَّ بعض العلماء والباحثين هذا القول جملةً واحدةً, كلها تهدف إلى ذكر مقدار فوات"مسند الإمام أحمد"من الصحابة الرواة المخرَّج حديثهم في الصحيحين! وهذا مشكل من جانب عدد الصحابة المخرَّج لهم في الصحيحين, إذ يبلغ تعدادهم- وسيأتي إن شاء اللهُ تفصيله- قريبًا مما أوهم ظاهر عبارة الحافظ ابن كثير أنَّه قد فات الإمامَ أحمدَ التخريج لهم في المسند! مع ما قيل في كثرة أحاديث المسند, وشموله لعامّة الأحاديث المحتاج إليها, إلا قليلًا مما هو من طبيعة النتاج البشري, هذا إلى جانب ما يذكر في ترجمة الحافظ ابن كثير من عنايته بكتب السنة عمومًا وبالصحيحين والمسند خاصة, بل قد قيل إنه ثالث ثلاثة يحفظون المسند في عصرهم, فكيف ستحمل عبارته على محمل الغلو والمجازفة؟!
(1) تنظر ترجمة الحافظ ابن كثير في:"الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة"لابن حجر (1/ 445 - 446) برقم: 944, و"شذرات الذهب في أخبار من ذهب"لابن العماد الحنبلي (6/ 231 - 232) وغيرها, كما في ترجمته للشيخ محمد عبد الرزاق حمزة في مقدمة"الباعث الحثيث".
(2) في طبعة مكتبة المعارف (1/ 119) :"سياقاته".
(3) "الباعث الحثيث شرح (اختصار علوم الحديث) "لأحمد محمد شاكر (ص 118 - 119) .