* فإذا قال قائل: إذا كان الحكم الواجب الذي يعلم الله أنه سيسْتَقِرِّ إلى يوم الدين هو مصابرة الواحد للاثنين، فلماذا لم يجعله الله حكمًا واحدًا منذ البداية، ولا داعي للنسخ الذي يستغله خصوم الإسلام!!
فالجواب: هذه بشارة لم تُنْسَخ، وامتنان من الله عظيم على المؤمنين إلى يوم الدين (غلبة الواحد لعشرة كفار) إذا فَرَضَت الظروف قتالًا بين المؤمنين وعشرة أمثالهم من الكافرين أو أكثر من ذلك بكثير، فَصَابروا فالنصر حليفهم بهذه البشارة. وإنما الذي نُسِخ هو الحكم للتخفيف كما تبين، حيث لو وَجَد المؤمنون عَدُوًّا أكثر من مِثْلَيهم، فلهم أن يتحوزوا عن القتال، ولهم أن يفرُّوا، لا يُلْزمهم الله بمصابرة الواحد لعشرة، لكن إن فعلوا واضطروا إلى القتال بمصابرتهم ذكر من مثليهم فالبشارة حاضرة، والواقع التاريخي يؤيد ذلك تمامًا، فالذي أنزل القرآن هو علام الغيوب، وهو الذي يُقَلِّب الليل والنهار، وهو الذي يُقَدِّر الأحداث كما يشاء، وسأذكر بعد قليل أمثلة على ذلك ليعلم القارئ أنَّ قضية النسخ في القرآن تمثل وَجهًا من وجوه الإعجاز فيه الدالة على أنه كلام العليم الحكيم.
وأيضًا فالأصحاب الذين عاصروا الحكم الأول قبل النسخ، قد صابروا لذلك وأثبتوا صدقهم، وأن قوة المؤمن أساسًا في قلبه، وأنه بهذا القلب القوي يستطيع المصابرة لعشرة وبالتالي غلبتهم، وضربوا بذلك المثل والقدوة والأسوة لجميع الأمة ونالوا بذلك أعلى الأجر وأرفع الدرجات.
وأيضًا: فإن حق الله كبير، ومن حقّه أيضًا أن يصابر المؤمن لعشرة، وأن يعد العُدَّة لذلك، وأن يتحمل في الله أقصي ما يستطيع، والله تعالي عَفوّ، يحب العفو، ويسقط كثيرا من حقه لدي عباده، ومن ذلك هذا الحق الذي نسخه بمصابرة الواحد للاثنين تخفيفا عنهم، وفي ذلك بيان عفوه عن عباده بهذا النسخ كما مضي، والله يحب لعباده الإقرار بنعمه وشكرها.