(3) هذا المسلك من المؤمنين بِالعمل بنص منسوخ لَفْظُه هو مما يبين أفضلية هذه الأمةِ الوَسَط، في مقابلة مسلك أخبث الأمم أمة اليهود مع آية الرجم الثابتة عندهم في التوراة لم تنسخ لفظًا ولا حكمًا ومع ذلك اجتهدوا في كتمانها والتحيل في إلغاء حكمها من حياتهم، لقد حاولوا كتمه لما كثر الزنا في أشرافهم، قالوا كيف نرجم الأشراف؟ فأحدثوا لهم عقوبة، وهي أن يُسوَّد وجه الزاني والزانية، وأن يركبا على حمار أحدهما وجهه إلى وجه الحمار والثاني وجهه إلى دبر الحمار، ويطاف بهما في السوق، ويقال هذان زانيان، وقالوا: فإذا طفنا بهم في السوق ورجعنا بهم إلى البيت اغتسلا بصابون ومزيل للسواد ثم عادا على حالهما، وانتهى الأمر، ولكن مع ذلك كانوا في قلق من هذا، وليسوا مطمئنين، فلما هاجر النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووقع الزنا بين رجل منهم وامرأة قالوا: اذهبوا إلى هذا الرجل لعلكم تجدون في شرعه حدًا دون الرجم، فجاءوا إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحكم عليهم بما في التوراة، فجاءوا بالتوراة يتلونها فوضع الرجل يده على آية الرجم، ولكن كان عندهم الحبر عبد الله بن سلام رضي الله عنه وهو حبر من أحبار اليهود فقال له: ارفع يدك فلما رفع يده فإذا بآية الرجم تلوح بيِّنةَ فأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برجمهما فَرُجما (1) ، فانظر إلى أمة عملت بنص مفقود لفظه ثابت حكمه، وإلى أمة حاولت كتم نَصِّ موجود في التوراة وإماتة حكم الله فيه يتبين لك خيريَّة هذه الأمة، وحكمة نسخ لفظ آية الرجم، وأن النسخ في القرآن هو أحد وجوه الإعجاز فيه.
(1) والحديث رواه البخاري ومسلم.