أوقعت هذه المحكمة المقدسة من الرعب في قلوب أهل أوروبا ما خيل لكل من يلمع في ذهنه شيء من نور الفكر إذا نظر حوله أو التفت وراءه أن رسول الشؤم يتبعه، وأن السلاسل والأغلال أسبق إلى عنقه ويديه، ومن ورود الفكرة العلمية إليه، وقال با غلياديس ما كان يقوله جميع الناس لذلك العهد: (يقرب من المحال أن يكون الشخص مسيحيًا ويموت على فراشه) .
حكمت هذه المحكمة من يوم نشأتها سنة 1481 إلى سنة 1808 على ثلاثمائة وأربعين ألف نسمة منهم نحو مائتي ألف أحرقوا بالنار أحياء.
خامسًا: اضطهاد المسيحية للمسلمين واليهود والعلماء عامة
لما كان ابن رشد هو الينبوع الذي تفجر منه ماء العلم والحرية في أوربا على زعم القسوس، وكان ابن رشد أستاذًا يتعلم عنده كثير من اليهود، وقد اتهموا بنشر أفكاره وآرائه ثم هو مع ذلك مسلم، صب غضب الكنيسة على اليهود والمسلمين معًا فصدر الأمر في 30 مارس (آذار) 1492 أن كل يهودي لم يقبل المعمودية في أي سن كان وعلى أي حال كان، يجب أن يترك بلاد أسبانيا قبل شهر يولو (تموز) ومن رجع منهم إلى هذه البلاد عوقب بالقتل وأبيح لهم أن يبيعوا ما يملكون من عقار ومنقول بشرط أن لا يأخذوا في الثمن ذهبًا ولا فضة، وإنما يأخذون الأثمان عروضًا وحوالات ومن ذا الذي يشتري اليوم بثمن ما يأخذه بعد ثلاثة أشهر بلا ثمن؟(يعني أن أموال اليهود تكون مباحة بعد
جلائهم الذي تم في يولو)وصدر أمر (تور كماندو) أن لا يساعدهم أحد من سكان أسبانيا في أمر من أمورهم. وهكذا خرج اليهود، تاركين كل ما يملكون بأرواحهم على أنه لا نجاة لكثير منها، فقد اغتالها الجوع ومشقة السفر مع العدم والفقر.
وفي فبراير (شباط) سنة 1502 نشر الأمر بطرد أعداء الله المغاربة (المسلمين) من أشبيلية وما حولها- من لم يقبل المعمودية منهم يترك بلاد أسبانيا قبل شهر أبريل (نيسان) وأبيح لهم أن يبيعوا ما يملكون على الشرط الذي وضع للمسلمين شرط آخر، وهو أن لا يذهبوا في طريق يؤدي إلى بلاد إسلامية، ومن خالف ذلك فجزاؤه القتل. فهؤلاء المساكين نفوا جميعًا إلى القتل إن لم يكن قتل الجزاء عند الرجوع فالموت ملاقيهم بالتعب مع العري.