(تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) هذه الجملة في حكم التعليل لما قبلها أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، وقال ابن عباس: المعنى تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، وقيل تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه، وقيل تعلم ما أريد ولا أعلم ما تريد، وقيل تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في دار الآخرة وقيل تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل.
وهذا الكلام من باب المشاكلة والمقابلة والإزدواج كما هو معروف عند علماء المعاني والبيان، وعليه حام الزمخشري، والنفس عبارة عن ذات الشيء يقال نفس الشيء وذاته بمعنى واحد، وقال الزجاج: النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته يقول تعلم جميع حقيقة أمري ولا أعلم حقيقة أمرك، والأول أولى، وفيه دلالة على إطلاق لفظ النفس عليه سبحانه (إنك أنت علام الغيوب) تعلم ما كان وما سيكون وهذا تأكيد لما قبله.
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)
(ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) هذه الجملة مقررة لمضمون ما تقدم أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني والاستثناء مفرغ (أن اعبدوا الله ربي وربكم) هذا تفسير لمعنى ما قلت لهم أي ما أمرتهم إلا أن وحدوا الله ولا تشركوا به شيئاً (وكنت عليهم شهيداً) أي حفيظاً ورقيباً أرعى أحوالهم وأمنعهم عن مخالفة أمرك (ما دمت) أي مدة دوامي (فيهم) .
(فلما توفيتني) قيل هذا يدل على أن الله سبحانه توفاه قبل أن يرفعه، وليس بشيء لأن الأخبار قد تضافرت بأنه لم يمت، وأنه باق في السماء على الحياة التي كان عليها في الدنيا حتى ينزل إلى الأرض آخر الزمان، وإنما المعنى فلما رفعتني إلى السماء وأخذتني وافياً بالرفع.