[من روائع الأبحاث]
قال الخطيب الإسكافي:
سورة الأنعام
الآية الأولى منها
قوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} وقال في سورة الشعراء: {فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} .
للسائل أن يسأل فيقول: قد ذكر في إحدى الآيتين «فسوف» و «بالحق» ، وفي الآية الأخرى لم يذكر ما كذبوا به وجعل بدل «سوف» السين فهل كان يجوز أحدهما مكان الآخر؟
الجواب أن يقال: إن الآية الأولى قد وفى المعنى فيها حقه من اللفظ لأنها سابقة للثانية، وإن كانتا مكيتين فأشبعت الألفاظ الأولى مستوفية لمعناها، وفي الآية الثانية اعتمد على الاختصار لما سبق في الأولى من البيان واقتصر على «كذبوا» ، وهذا اللفظ إذ أطلق كان لمن كذب بالحق، ألا ترى إلى قوله عز وجلّ: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} وإذا قيد جاز أن يقول: كذب الكذب وكذب الصدق وكذب مسيلمة وكذب النبي صلّى الله عليه وسلم، إلا أنه إذا عري من التقييد لم يصح إلا لمن كذب بالحق، فصار قوله تعالى في الشعراء من هذا القبيل بعد البيان الذي سبق في سورة الأنعام، ولما بنيت هذه الثانية على الاختصار والاكتفاء بالقليل من الكثير جعل فيها بدل «سوف» السين وحدها وهي مؤدية معناها، ومن النحويين من ذهب إلى أنها مأخوذة من «سوف» وإن كان ذلك عندنا غير صحيح.
الآية الثانية منها
قوله تعالى:
{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} وقال في سورة الشعراء: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} .