قال الفخر:
اعلم أن العدل هو التسوية.
يقول: عدل الشيء بالشيء إذا سواه به، ومعنى {يَعْدِلُونَ} يشركون به غيره.
فإن قيل: على أي شيء عطف قوله {ثُمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ}
قلنا: يحتمل أن يكون معطوفاً على قوله {الحمد للَّهِ} على معنى أن الله حقيق بالحمد على كل ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة {ثُمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ} فيكفرون بنعمته، ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله {خَلَقَ السماوات والأرض} على معنى أن خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها أحد سواه، ثم إنهم يعدلون به جماداً لا يقدر على شيء أصلاً.
فإن قيل: فما معنى ثم؟
قلنا: الفائدة فيه استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته، والله أعلم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 126}
وقال الثعلبي:
{ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} .
قال قطرب: هو مختصر يعني الذين كفروا بعد هذا البيان بربهم يعدلون الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.
وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: {بِرَبِّهِمْ} بمعنى عن، وقوله: {يَعْدِلُونَ} من العدول. أي يكون ويعرفون.
وأنشد:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق
وأنشد:
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج
أي من البحر قال اللّه تعالى: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله} [الإنسان: 6] أي منها. انتهى انتهى. {الكشف والبيان حـ 4 صـ}
وقال ابن عاشور:
{ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} .
عُطفت جملة {ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون} على جملة: {الحمد لله الذي خلق السماوات} .
ف {ثم} للتراخي الرتبي الدالّ على أنّ ما بعدها يتضمّن معنى من نوع ما قبله، وهو أهمّ في بابه.
وذلك شأن (ثم) إذا وردت عاطفة جملة على أخرى، فإنّ عدول المشركين عن عبادة الله مع علمهم بأنّه خالق الأشياء أمر غريب فيهم أعجب من علمهم بذلك.