ومن لطائف ونكات ابن الأثير:
سورة الأنعام
{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ... (3) }
فهذا مستنبط منه معنيان: أحدهما أن الله يعلم السر والجهر في السماوات والأرض، وفي ذلك تقديم وتأخير, أي: يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض، والآخر أنه في السماوات، وأنه يعلم السر والجهر في الأرض من بني آدم؛ لأن الوقف يكون على السماوات, ثم يستأنف الكلام فيقول: يعلم سركم وجهركم في الأرض، إلّا أنَّ هذا يمنع اعتقاد التجسيم، وذلك شيء خارج عن مفهوم اللفظ.
{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ... (38) }
وأما التفريط فهو التقصير والتصنيع، ولهذا قال الله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} أي: ما أهملنا ولا ضيعنا.
وأما الإفراط فهو: الإسراف وتجاوز الحد، فيقال: أفرط في الشيء إذا أسرف وتجاوز الحد, والتفريط والإفراط هما الطرفان البعيدان، والاقتصاد هو الوسط المعتدل.
وقد نقلت هذه المعاني الثلاثة إلى هذا النوع من علم البيان.
أما الاقتصاد فهو أن يكون المعنى المضمر في العبارة على حسب ما يقتضيه المعبر عنه في منزلته.
وأما التفريط والإفراط فهما ضدان: أحدهما: أن يكون المعنى المضمر في العبارة دون ما يقتضيه منزلة المعبر عنه، والآخر: أن يكون المعنى فوق منزلته.
{أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ... (82) }
فإنه دخل تحت الأمن جميع المحبوبات، وذلك أنه نفى به أن يخافوا شيئا من الفقر، والموت وزوال النعمة، ونزول النقمة، وغير ذلك من أصناف المكاره. انتهى انتهى {المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير} ...