فهرس الكتاب
[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(فصل)
من اللطائف الرائقة والنكات الفائقة في السورة الكريمة:
قال الإمام فخر الدين الرازي:
سُورَةُ الْأَنْعَامِ
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ(1)
اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُسْتَقْصَى فِي قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قَدْ سَبَقَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ نُعِيدَ بَعْضَ تِلْكَ الْفَوَائِدِ، وفيه مسائل:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَدْحِ وَالْحَمْدِ وَالشُّكْرِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْمَدْحَ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ، وَالْحَمْدَ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ.
أَمَّا بَيَانُ أَنَّ الْمَدْحَ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ، فَلِأَنَّ الْمَدْحَ يَحْصُلُ لِلْعَاقِلِ وَلِغَيْرِ الْعَاقِلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَمَا يَحْسُنُ مَدْحُ الرَّجُلِ الْعَاقِلِ عَلَى أَنْوَاعِ فَضَائِلِهِ، فَكَذَلِكَ قَدْ يُمْدَحُ اللُّؤْلُؤُ لِحُسْنِ شَكْلِهِ وَلَطَافَةِ خِلْقَتِهِ، وَيُمْدَحُ الْيَاقُوتُ عَلَى نِهَايَةِ صَفَائِهِ وَصَقَالَتِهِ! فَيُقَالُ: مَا أَحْسَنَهُ وَمَا أَصْفَاهُ، وَأَمَّا الْحَمْدُ: فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِلْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ عَلَى مَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنَ الْإِنْعَامِ وَالْإِحْسَانِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمَدْحَ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ.
وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّ الْحَمْدَ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، فَلِأَنَّ الْحَمْدَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ الْفَاعِلِ لِأَجْلِ مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الْإِنْعَامِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْإِنْعَامُ وَاصِلًا إِلَيْكَ أَوْ إِلَى غَيْرِكَ، وَأَمَّا الشُّكْرُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْظِيمِهِ لِأَجْلِ إِنْعَامٍ وَصَلَ إِلَيْكَ وَحَصَلَ عِنْدَكَ.
فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَدْحَ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّمَا لَمْ يَقُلِ الْمَدْحُ للَّه لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَدْحَ كَمَا يَحْصُلُ لِلْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، فَقَدْ يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ.
أَمَّا الْحَمْدُ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِلْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ.