أكد ذلك - جلَّ جلالُه - بما هو في معناه قوله الحق: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ...(13)
يعني: ما اشتمل عليه الليل والنهار (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي: وإن كان لا يشتمل عليه الليل والنهار، فهو غير غائب عن كل ما سكن في الليل والنهار،
وتقلباته بل هو الشهيد الحاضر، القريب الرقيب العتيد، القريب لا أقرب منه، ولا أعظم تحقيقًا من حضوره، ليس كمبعوداتهم سواه لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنهم شيئا ما لهم من شرك في السماوات ولا في الأرض.
دلَّ على صدق هذا التأويل ما أعقبه به من قوله الحق جل قوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ) أي: يَرزق ولا يرزق -
وقرأها ابن عباس ومجاهد والأعمش وأبو حيوة وعمرو بن عبيد:"ولا يطعم"
بفتح الياء، ينبئ عن غناه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه.
(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) أي: من أمتي.
ثم قال جلَّ قَولُهُ: (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) حذره - عز وجل - من
موافقة الشرك؛ وإن كان على الإسلام قائمًا، كما قال جلَّ قوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) .
وقال أيضًا - جلَّ قوله - في الأنبياء والرسل غيره: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) . وقد يحمل على أنه خطاب له - صلى الله عليه وسلم -، والمراد به أمته،
والأولى أبلغ في التخويف وأقرب لأداة التحذير، إذ هو وسائر الأنبياء والمرسلين -
عليهم السَّلام - لا يأمنون على إسلامهم أن يسلبوه، فكيف بمن سواهم.
ومن هذا المقام كان يقول رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -."يا مقلب القلوب والأبصار ثبت"
قلبي على دينك"."
وفي أخرى:"على طاعتك"لعلمه - جلَّ جلالُه - أن قلوب العباد بين إصبعين من
أصابع الله - جلَّ جلالُه -، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ.
من المعهود أن فطرة الإسلام قد يدخل عليها الشرك كما دخل على