نقول: لنفهم معاً معنى الاصطلاح القائل:"مدني"و"مكي"، هناك آيات من القرآن نزلت بالمدينة ، وآيات أخرى نزلت بمكة ، وآيات ثالثة فيما بينهما ، وآيات رابعة نزلت بين السماء والأرض . وجاء الاصطلاح"مكي"على الآيات التي نزلت قبل الهجرة ، وجاء الاصطلاح"المدني"على الآيات التي نزلت من بعد الهجرة ، وإن نزلت بمكة .
وأراد الحق أن يكون للقرآن ترتيب نزولي وترتيب مصحفي ، وقد شاء سبحانه أن يعدل بالقرآن ميزان الكون الإنساني المضطرب ، واضطراب الكون الإنساني إنما يكون بواسطة أناس لا يؤمنون بإله ، أو بأناس يؤمنون بإله ويشركون معه غيره فيعبدون أوثاناً ، ويقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى} أو بأناس يعبدون النار ، أو بأناس تابعين لمنهج سماوي ولكن حرفوا فيه قليلاً أو كثيراً .
إننا نجد أن الأقرب إلى الإيمان بالله هم الأجناس الذين آمنوا بالرسالات السابقة على رسول الله ، فقد جاءتهم الرسل ومعهم المعجزات ، ومعهم كتب المناهج ، والمنطق يقتضي أن يكون هؤلاء هم الأقرب للإيمان من غيرهم ، ولذلك كان من المطلوب أن نواجه أولاً الوثنيين ونصفي المعركة مع أهل الكتاب من بعد ذلك ؛ لأن أهل الكتاب لهم إلف بنزول منهج السماء إلى الأرض بواسطة الرسل .
إذن ففي نزول القرآن كانت الأمور المكية التي تتعلق بالعقيدة الأساسية هي الظاهرة . وهي الاعتراف بألوهية واحدة تحكم الكون . أما في المدينة فد ناقش الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب في كل أمور الدين بعد أن استتب أمر التوحيد .