وروي أن المائدة لما نزلت عليهم فرقوا أن تكون عقوبة وسخطاً ، فقالوا: يا روح الله ، كن أنت أول من يأكل منها ، ثم نأكل نحن . فقال عيسى: معاذ الله ، ولكن يأكل منها الذين طلبوها . فلم يأكلوا منها خوفاً أن تكون سخطاً عليهم ، فدعا لها عيسى أهل الفاقة والحاجة والزمنى والعمي والبرص ، وكل مَن به داء ، فقال لهم: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم ، واذكروا اسم الله . فأكلوا حتى شبعوا وهم ألف وثلاث مائة ، قاله سليمان .
وقال مقاتل: كانوا خمسين ألفاً ، وأفاقوا من كل دائهم.
قوله: {وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} الآية.
المعنى: واذكر إذ قال {الله} . وجماعة من المفسرين على أن الله أخبرنا أنه قال لعيسى حين رفعه إليه ، قاله السدي وغيره.
وقيل: هو خبر من الله عما يكون في القيامة ، قال ابن جريج: يقول ذلك لعيسى والناس يسمعون ، فيراجعه بالإقرار والعبودية ، فيعلم من كان يقول في عيسى ما يقول أنه إنما كان باطلاً.
ودَلّ قوله: {هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين} على أنه يوم القيامة . و (إذ) - على هذا - بمعنى"إذا"، ويكون {قَالَ} بمعنى"يقول"كما قال: {وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ} [سبأ: 51] أي:
إذا (فزعوا) وإذ يفزعون.
والمسألة في قوله: {أَأَنتَ قُلتَ} إنما هي على وجه التوبيخ للذين ادعوا عليه ذلك ، وهم بنو إسرائيل.
واختار الطبري قول السدي أنه خبر قد كان حين رفعه الله إليه ، لأن (إذ) {فِي} (الأغلب) من كلام العرب - لما مضى - فحَمْلُ الكلام على الأكثر الفاشي أولى ، ولأن عيسى لا يشك - هو ولا أحد من الأنبياء - أن الله لا يغفر لمن مات على شركه ، فيجوز أن يتوهم على عيسى أنه قال في الآخرة - مجيباً لربه إذ سأله عمن اتخذه (هو) وأمه إلهين {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} [المائدة: 118] .