فهرس الكتاب
ونومهم وزمان الخلوة ، وبحيث لا يسمعه إلا قليل منهم ، والاستدراج إنما
يكون إذا دام على ذلك مدةً واشتهر منه ذلك ، وكثر سماعهم منه ، كما حُكي
عن الحواري ، وأين هذا من حكاية الحواري ؟ فإن الحواري عبد الصنم مدة
حتى وثقوا به ثم أراهم عجزه عن الإجابة وعدم الكفاية ، وذلك نقصان
ظاهر ، أما ههنا لم يرهِم إبراهيم نقصاً ؛ لأنه قال: (فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) والأفول الغيبة ، ولا نقص في الغيبة فإن إله السماء والأرض أيضاً
غائب عن الأبصار ، وهو معنى قوله: (يُؤمِنُونَ بِالغَيْبِ) . ثم قال: (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) ولم يقل لا أحب المسخرين ، أولا أحب المحدودين المتحيزين.
وأما الوجه الثاني: قال:"إن إبراهيم رآهم يعبدون النجوم فقال على جهة"
الاستفهام (أهذا ربي) قلت: هذا أيضاً بعيد من وجوه:
الأول: إن قوم نمروذ ما كانوا يعبدون النجوم وإنما كانوا يعبدون نمروذ
والأصنام ، بدليل سياق القصة فإن إبراهيم قال لأبيه: من ربك ؟ قال:
نمروذ ولم يقل النجوم ، وبدليل كسر الأصنام ، وبدليل قوله: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ) ؛ ولأنه ما سُمع أن أحداً من الأمم الضالة جمع بين
عبادة الكوكب ، والقمر ، والشمس ، وإنما كان بعضهم يعبدون نجماً ،
وبعضهم يعبدون الشمس .
الثاني: أن إدراج ألف الاستفهام فيه خلاف الأصل.
الثالث: أن هذا لو كان استفهاماً منه لما كان تبرِّيه موقوفاً على الأفول بل تبرأ
في الحال ، وإنه ما تبرأ إلا بعد الأفول ، والأفول الغيبة ، ولا نقص في الغيبة
فلا حجة فيها لأن استفهام الإنكار يكون نفياً ، فيكون نافياً في الحال ، والله
أخبر أنه إنما نفي بعد الأفول.
وأما الوجه الثالث: قال:"إنما قاله على وجه الاحتجاج لا على وجه الشك"
كقوله: (وَانظُر إِلى إِلهِكَ) "."
قلت: هذا أيضاً بعيد ؛ لأنه لا احتجاج في ذلك لما ذكرنا أن الأفول هو