فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 165280 من 466147

وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرُوءَةَ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُعْتَدِلَ الْحَالِ فِي مُرَاعَاةِ لِبَاسِهِ مِنْ غَيْرِ إكْثَارٍ وَلَا اطِّرَاحٍ، فَإِنَّ اطِّرَاحَ مُرَاعَاتِهَا وَتَرْكَ تَفَقُّدِهَا مَهَانَةٌ وَذُلٌّ، وَكَثْرَةَ مُرَاعَاتِهَا وَصَرْفَ الْهِمَّةِ إلَى الْعِنَايَةِ لَهَا دَنَاءَةٌ وَنَقْصٌ. وَرُبَّمَا تَوَهَّمَ بَعْضُ مَنْ خَلَا مِنْ فَضْلٍ، وَعَرِيَ عَنْ تَمْيِيزٍ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرُوءَةُ الْكَامِلَةُ، وَالسِّيرَةُ الْفَاضِلَةُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ تَمَيُّزِهِ بِذَلِكَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، وَخُرُوجِهِ عَنْ جُمْلَةِ الْعَوَامّ الْمُسْتَرْذَلِينَ. وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا تَعَدَّى طَوْرَهُ، وَتَجَاوَزَ قَدْرَهُ، كَانَ أَقْبَحَ لِذِكْرِهِ، وَأَبْعَثَ عَلَى ذَمِّهِ.

فَكَانَ كَمَا قَالَ الْمُتَنَبِّي:

لَا يُعْجِبَنَّ مُضِيمًا حُسْنُ بِزَّتِهِ ... وَهَلْ يَرُوقُ دَفِينًا جَوْدَةُ الْكَفَنِ

وَحَكَى الْمُبَرِّدُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانَ إذَا اتَّسَعَ لَبِسَ أَرَثَّ ثِيَابِهِ، وَإِذَا ضَاقَ لَبِسَ أَحْسَنَهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إذَا اتَّسَعْتُ تَزَيَّنَتْ بِالْجُودِ، وَإِذَا ضِقْتُ فَبِالْهَيْئَةِ.

وَقَدْ أَتَى ابْنُ الرُّومِيِّ بِأَبْلَغَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي شَعْرِهِ فَقَالَ:

وَمَا الْحُلِيُّ إلَّا زِينَةٌ لِنَقِيصَةٍ ... يُتَمِّمُ مِنْ حُسْنٍ إذَا الْحُسْنُ قَصَّرَا

فَأَمَّا إذَا كَانَ الْجَمَالُ مُوَفِّرًا ... لِحُسْنِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يُزَوَّرَا

وَلِذَلِكَ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: لَيْسَتْ الْعِزَّةُ حُسْنَ الْبِزَّةِ.

وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:

وَتَرَى سَفِيهَ الْقَوْمِ يُدَنِّسُ عِرْضَهُ ... سَفَهًا وَيَمْسَحُ نَعْلَهُ وَشِرَاكَهَا

وَإِذَا اشْتَدَّ كَلَفُهُ بِمُرَاعَاةِ لِبَاسِهِ قَطَعَهُ ذَلِكَ عَنْ مُرَاعَاةِ نَفْسِهِ وَصَارَ الْمَلْبُوسُ عِنْدَهُ أَنْفَسَ، وَهُوَ عَلَى مُرَاعَاتِهِ أَحْرَصُ.

وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: الْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ مَا يَخْدُمُك وَلَا يَسْتَخْدِمُك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت