عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ} ، قَالَ: «أَنْزَلَهُمُ اللَّهُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ لِيَعْرِفُوا مَنْ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَلِيَعْرِفُوا أَهْلَ النَّارِ بِسَوَادِ الْوُجُوهِ، وَيَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ أَنْ يَجْعَلَهُمُ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يُحَيُّونَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِالسَّلَامِ، لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَهُمْ دَاخِلُوهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ»
وَالسَّيْمَاءُ: الْعَلَامَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الشَّيْءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَأَصْلُهُ مِنَ السِّمَةِ نُقِلَتْ وَاوُهَا الَّتِي هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ إِلَى مَوْضِعِ الْعَيْنِ، كَمَا يُقَالُ: اضْمَحَلَّ وَامْضَحَلَّ.
وَذُكِرَ سَمَاعًا عَنْ بَعْضِ بَنِي عَقِيلٍ: هِيَ أَرْضُ خَامَةٍ، يَعْنِي: وَخِمَةً، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: لَهُ جَاهٌ عِنْدَ النَّاسِ، بِمَعْنَى: وَجْهٌ، نُقِلَتْ وَاوُهُ إِلَى مَوْضِعِ عَيْنِ الْفِعْلِ وَفِيهَا لُغَاتٌ ثَلَاثٌ: (سِيمَا) مَقْصُورَةٌ، وَ (سِيمَاءُ) مَمْدُودَةٌ، وَ (سِيمْيَاءُ) بِزِيَادَةِ يَاءٍ أُخْرَى بَعْدَ الْمِيمِ فِيهَا، وَمَدُّهَا عَلَى مِثَالِ الْكِبْرِيَاءِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
غُلَامٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ إِذْ رَمَى ... لَهُ سِيمْيَاءُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} : أَيْ حَلَّتْ عَلَيْهِمْ أَمَنَةُ اللَّهِ مِنْ عِقَابِهِ وَأَلِيمِ عَذَابِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ أَهْلِ الْأَعْرَافِ أَنَّهُمْ قَالُوا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مَا قَالُوا قَبْلَ دُخُولِ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوهُ وَهُمْ يَطْمَعُونَ فِي دُخُولِهَا
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ يَقُولُونَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ يَطْمَعُونَ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَلَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْدُ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 10/}