قال تعالى"ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ"التي خصها لتوحيده والقيام بشعائره"شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ"أي لا يصح ولا يكون لهم ذلك ولا يستقيم فعله منهم ولا يمكنهم أن يجمعوا بين أمرين متضادين عمارة بيوت اللّه تعالى مع الكفر به في حالة من الأحوال أبدا"أُولئِكَ"الّذين هذه صفتهم"حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ"التي عملوها بالدنيا من جميع وجوه البر والخير لأنها لم تكن خالصة لوجهه بل لمجرد السّمعة والرّياء ، وما كان خالصا منها فقد كوفئوا به في الدّنيا بما منّ اللّه عليهم من صحة ومال وولد وجاه وغيرها ، وحرموا ثوابها في الآخرة ، ولهذا قال تعالى"وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ" (17) لا يتحولون عنها أبدا ومن كان هذا شأنهم ، وهذه عاقبتهم لا يكونون أهلا لعمارة مساجد اللّه المخصصة لعبادته وحده"إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ"في أمر دينه
ودنياه نابذا كلّ ما سواه وراء ظهره لا يقدم على ما نهاه عنه ويحذره كلّ الحذر"فَعَسى أُولئِكَ"العامرون المساجد المؤمنون باللّه ورسوله"أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ" (18) لعمارتها لها غيرهم.
قال تعالى مبعدا لظنهم على طريق الاستفهام الإنكارى"أَ جَعَلْتُمْ"أيها النّاس"سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"بالفضل والثواب وحسن العاقبة سوآء كلا"لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ"في ذلك البتة ، لأن هؤلاء يثابون على أعمالهم بإيمانهم ، وأولئك محبطة أعمالهم ممحوق ثوابها بكفرهم وظلمهم"وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (19) أنفسهم وغيرهم باختيارهم الضّلال على الهدى.