"الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم..". ويظهر أن أولئك المنافقين كثروا ، وزاد عددهم حتى فكروا أن يجمعهم مكان واحد ينظمون فيه حملتهم على الإسلام ، فهداهم شيطانهم إلى بناء مسجد يهرع إليه كل ظنين ، ويقبل عليه كل مخادع. ويستطيعون فيه النيل من الإسلام ونبيه فِي ظل صلوات كاذبة وعبادات مزورة."والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون". واتجاه المنافقين إلى هذه الخدعة يدل على مبلغ شرهم وخبث طويتهم. وقد هدم المسلمون هذا المسجد الذي أسموه بحق مسجد الضرار"لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين". وظلت السورة الفاتحة تتتبع مؤامرات المنافقين ، وأحاديث نفوسهم ، وفلتات ألسنتهم حتى ما أبقت منهم أحدا... وكما قلنا: كان لابد من تصفية المجتمع من النفاق ، فتولى ذلك القسم الثاني من السورة بعدما تولى القسم الأول تصفية المجتمع من الوثنية. وبهذا استعد المسلمون لأداء رسالتهم الكبرى فِي أرجاء الأرض"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"وقد صورح المسلمون بأن نشر الرسالة يحتاج إلى بذل النفس والنفيس:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة...". ولكن لم هذا العقد الخطير؟ ولم توطين النفوس على هذه التضحيات الجسام؟. والجواب أن الفتانين فِي الأرض لا ينقطع لهم عدوان ، ولا ينتهى لهم إثم! ورسل الله كلهم لا يلامون على الإعداد للجهاد إذا كان أعداؤهم لا يتوانون عن الطغيان والظلم!