وأقول: يصح انتصابه على الظرف ، لأن قوله:"واقعدوا لهم"ليس معناه حقيقة القعود ، بل المعنى ارصدوهم في كل مكان يرصد فيه ، ولما كان بهذا المعنى جاز قياساً أن يحذف منه في كما قال: وقد قعدوا منها كل مقعد.
فمتى كان العامل في الظرف المختص عاملاً من لفظه أو من معناه ، جاز أن يصل إليه بغير واسطة في ، فيجوز جلست مجلس زيد ، وقعدت مجلس زيد ، تريد في مجلس زيد.
فكما يتعدى الفعل إلى المصدر من غير لفظه إذا كان بمعناه ، فكذلك إلى الظرف.
وقال الأخفش: معناه على كل مرصد ، فحذف وأعمل الفعل ، وحذف على ، ووصول الفعل إلى مجرورها فتنصبه ، يخصه أصحابنا بالشعر.
وأنشدوا:
تحنّ فتبدي ما بها من صبابة ...
وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني
أي لقضي عليّ.
{فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلُّوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} أي عن الكفر والغدر.
والتوبة تتضمن الإيمان وترك ما كانوا فيه من المعاصي ، ثم نبه على أعظم الشعائر الإسلامية ، وذلك إقامة الصلاة وهي أفضل الأعمال البدنية ، وإيتاء الزكاة وهي أفضل الأعمال المالية ، وبهما تظهر القوة العملية ، كما بالتوبة تظهر القوة العلمية عن الجهل.
فخلوا سبيلهم ، كناية عن الكف عنهم وإجرائهم مجرى المسلمين في تصرفاتهم حيث ما شاؤوا ، ولا تتعرضوا لهم كقول الشاعر:
خل السبيل لمن يبنى المنار به ...
أو يكون المعنى: فأطلقوهم من الأسر والحصر.
والظاهر الأول ، لشمول الحكم لمن كان مأسوراً وغيره.
وقال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعاً ، وأبى الله أنْ لا تقبل الصلاة إلا بالزكاة ، وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه في قوله:"لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة"وناسب ذكر وصف الغفران والرحمة منه تعالى لمن تاب عن الكفر والتزم شرائع الإسلام.