وأخذ عمه العباس - وكان جهير الصوت - ينادي من جهته بأعلى صوته قائلا حينا:"يا أصحاب سورة البقرة"وقائلا حينا آخر:"يا أصحاب الشجرة"يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها المهاجرون والأنصار، فجعلوا يرجعون ويقولون:"لبيك لبيك"وانعطف الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يصدقوا الحملة، وأخذ قبضة من تراب فرمى بها العدو بعدما دعا ربه واستنصر وقال: (اللهم أنجز لي ما وعدتني) فما بقي من العدو أحد إلا أصابه من تلك القبضة من التراب في عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ونظر رسول الله إلى مجتلد القوم فقال: (الآن حمي الوطيس) ولم يلبث العدو أن انهزم انهزاما شنيعا، وأخذ يتساقط قتلاه وأسراه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان النصر الأخير لرسول الله وللمؤمنين، والهزيمة الأخيرة لهوازن ومن معها من المشركين، ولم تمض عشرون يوما بعد هزيمة هوازن وحلفائها حتى قدمت البقية الباقية منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمين، فعند ذلك قبل إسلامهم وخيرهم بين سبيهم وأموالهم، فاختاروا سبيهم وكان يبلغ ستة آلاف
نسمة، فرده عليهم، وقسم أموالهم المأخوذة في الغنيمة بين الغانمين، واستعمل رسول الله نفس مالك بن عوف النضري، الذي كان أمير هوازن يقودها يوم حنين، على قومه كما كان عليهم من قبل، تأليفا لقلوبهم على الإسلام، وانتفاعا بخدماتهم للدين فيما يستقبل من الأيام.
وهذا الموضوع المثير هو الذي تولت شرحه الآيات الكريمة التالية في أسلوب موجز ومعجز. {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .