ومثل هذا من غل من الغنيمة، وهو في سبيل الله، أي في الجهاد (أي أخذ من الغنيمة لنفسه وهي من حق الجيش كله) فإن مد يده إلى مال الغنيمة قبل أن يقسم، ولو كان شيئا تافها، يحرمه فضل الجهاد، وأجر المجاهد، وإذا قتل يحرمه شرف الشهادة، وأجر الشهيد.
كان على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم (والثقل: الغنيمة) رجل يقال له:"كركرة"فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هو في النار"، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها.
وتوفى رجل من الصحابة في خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"صلوا على صاحبكم"، فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال:"إن صاحبكم غل في سبيل الله" (أي وهو في الجهاد) ففتشوا متاعه فوجدوا فيه خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين.
من أجل درهمين أعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليه، ليكون في ذلك أبلغ زاجر عن الطمع في المال العام، قل أو كثر.
وعن ابن عباس قال: حدثني عمر قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كلا، إني رأيته في النار، في بردة غلها ـ أو في عباءة غلهاـ"، ثم قال:"يا ابن الخطاب، اذهب فناد"
في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون"."
علام تدل هذه الأحاديث؟ إنها تدل على تعظيم حقوق الخلق، ولا سيما ما يتعلق بالمال، سواء أكان خاصا أم عاما، فلا يجوز أخذه من غير حله، وأكله بالباطل، وإن كان تافها، لأن المهم هو المبدأ، ومن اجترأ على أخذ القليل، يوشك أن يجترئ على الكثير، والصغيرة تجر إلى الكبيرة، ومعظم النار من مستصغر الشرر.
أولوية حقوق الجماعة على حقوق الأفراد
ومما يذكر هنا أيضا في فقه الأولويات: أن الفرائض المتعلقة بحقوق الجماعة مقدمة على الفرائض المتعلقة بحقوق الأفراد. فإن الفرد لا بقاء له إلا بالجماعة، ولا يستطيع أن يعيش وحده، فهو مدني بطبعه، كما قال القدماء، أو هو حيوان اجتماعي كما قال المحدثون. فالمرء قليل بنفسه، كثير بجماعته، بل هو عدم نفسه، موجود بجماعته.