وكذلك أنت تكره الدواء المر بعاطفتك ، لكنك تحبه بعقلك إن كان فيه شفاؤك ، فتبحث عنه ، وتدفع المال من أجله ، وتحرص على أن تتناوله ، وكلنا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه".
ووقف عند هذه سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال: يا رسول الله: أنا أحبك عن مالي وأحبك عن ولدي ، ولكن كيف أحبك عن نفسي؟ فكرر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث قائلا:"لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه".
وكررها عليه الصلاة والسلام ثلاثا ، فعلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن هذا تكليف . والتكليف لا يأتي إلا بالحب العقلي الذي يمكن أن يقنن . وقد يتسامى المؤمن في الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليصير حباً عقلياً وعاطفياً . ولكن الحب العقلي هو مناط التكليف ، أما الحب العاطفي فلا يكلف به . ولم يقنن الحق سبحانه وتعالى لانفعالات العواطف ، لأنه سبحانه لا يمنع العواطف أن تنفعل انفعالاتها الطبيعية ، فأنت تحب من يسدي إليك معروفاً ، وهناك من تحبه دون أن تعرف السبب . وهناك من تبغضه دون أن يكون أن يؤدي ذلك إلى عدوان على الحق ، فقال سبحانه وتعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ} [المائدة: 8] .
أي: لا يدفعكم كره قوم على أن تخرجوا عن طريق الحق وتظلموهم ، فإن كرهتموهم فتمسكوا بالعدل معهم .
إذن فالله سبحانه وتعالى لم ينه عن الحب أو الكره ؛ ولكنه نهانا عن أن نظلم من نكره أو نجامل من نحب على حساب الحق والعدل .
ويعطينا سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صورة حية لهذا ؛ فقد قتل أبو مريم الحنفي زيد بن الخطاب شقيق سيدنا عمر في معركة اليمامة ، ثم دخل في الإسلام ؛ فكان كلما مر أمام سيدنا عمر قال له: إلو وجهك بعيدا عني ، فإني لا أحبك . فقال له أبو مريم الحنفي: أو عدم حبك لي يمنعني حقاً من حقوقي .