قال القاضي أبو محمد: كان مضمن الآية لا تجمعوا مالاً فتعذبوا فنسخه التقرير الذي في قوله {خذ من أموالهم} [التوبة: 103] والضمير في قوله {ينفقونها} يجوز أن يعود على الأموال والكنوز التي يتضمنها المعنى، ويجوز أن يعود على الذهب والفضة هما أنواع، وقيل عاد على الفضة واكتفي بضمير الواحد عن الضمير الآخر إذا فهمه المعنى وهذا نحو قول الشاعر [قيس بن الخطيم] : [المنسرح]
نحن بما عندنا وأنت بما عن دك راضٍ والرأي مختلفُ ... ونحن قول حسان: [الخفيف]
إنّ شرَخ الشباب والشّعَر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا
وسيبويه يكره هذا في الكلام، وقد شبه كثير من المفسرين هذه الآية بقوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها} [الجمعة: 11] وهي لا تشبهها، لأن"أو"قد فصلت التجارة عن اللهو وحسنت عود الضمير على أحدهما دون الآخر، والذهب تؤنث وتذكر والتأنيث أشهر، وروي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا قد ذم الله كسب الذهب والفضة، فلو علمنا أي المال خير حتى نكسبه، فقال عمر: أنا أسأل لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسأله، فقال"لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة تعين المؤمن على دينه"وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت الآية"تباً للذهب تباً للفضة"، فحينئذ أشفق أصحابه وقالوا ما تقدم، والفاء في قوله {فبشرهم} ، جواب كما في قوله {والذين} من معنى الشرط، وجاءت البشارة مع العذاب لما وقع التصريح بالعذاب وذلك أن البشارة تقيد بالخير والشر فإذا أطلقت لم تحمل إلا على الخير فقط، وقيل بل هي أبداً للخير فمتى قيدت بشر فإنما المعنى أقم لهم مقام البشارة عذاباً أليماً، وهذا نحو قول الشاعر [عمرو بن معديكرب] : [الوافر]
وخيل قد دلفت لها بخيلٍ ... تحيةَ بيْنِهمْ ضرْبٌ وجيعُ. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 3 صـ}