فهرس الكتاب
قال تعالى {إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً. إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً} وشبيه بهذا الاستثناء ما حكاه - سبحانه - عن نبيه شعيب - عليه السلام - في قوله: {قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ. قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً...} فشعيب - عليه السلام - مع ثقته المطلقة في أنه لن عود هو وأتباعه على ملة الكفر، نراه يفوض الأمر إلى مشيئة الله تأدبا معه - سبحانه. .
فيقول: وما يكون لنا أن نعود فيها - أي ملة الكفر - إلا أن يشاء ربنا شيئا غير ذلك وهذا من الأدب العالى في مخاطبة الأنبياء لخالقهم - عز وجل.
وقد ذكر كثير من المفسرين هذا القول ضمن الأقوال في معنى الآية، وبعضهم اقتصر عليه ولم يذكر سواه، ومن هذا البعض صاحب المنار، وصاحب محاسن التأويل...
أما صاحب المنار فقد قال: قوله {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} أي: أن هذا الخلود الدائم هو والمعد لهم في الآخرة... إلا ما شاء ربك من تغيير في هذا النظام في طور آخر، فهو إنما وضع بمشيئته، وسيبقى في قبضة مشيئته، وقد عهد مثل هذا الاستثناء في سياق الأحكام القطعية للدلالة على تقييد تأبيدها يمشيئة الله - تعالى. . فقط، لا لإِفادة عدم عمومها...
وأما صاحب محاسن التأويل فقد قال:
«فإن قلت» : ما معنى الاستثناء بالمشيئة، وقد ثبت خلودا أهل الدارين فيهما من غير استثناء؟
فالجواب: أن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن، للدلالة على الثبوت والاستمرار.
والنكتة في الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة، إنما كانت كذلك بمشيئة الله تعالى لا بطبيعتها في نفسها، ولو شاء تعالى أن يغيرها لفعل.
وابن كثير قد أشار إلى ذلك بقوله:"يعني أن دوامهم فيها ليس أمرا واجبا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئته تعالى"
2 -أن الاستثناء هنا خاص بالعصاة من المؤمنين.
ومن العلماء الذين رجحوا هذا القول الإِمامان: ابن جرير وابن كثير.