فهرس الكتاب
"وأولى الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر، أنه يدخلهم النار خالدين فيها أبدا، إلا ما شاء تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة - أي العصاة من المؤمنين..."
وأما ابن كثير فقد وضح ما اختاره، ابن جرير ورجحه فقال ما ملخصه:
وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة... نقل كثيرا منها الإِمام ابن جرير، واختار: أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون في أصحاب الكبائر، ثم تأتى رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وقال يوما من الدهر: لا إله إلا الله، كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها، ولا محيد له عنها، وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة.
وقد ذكر الشيخ الشوكاني هذا القول ضمن أحد عشر قولا فقال ما ملخصه:
وقوله {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} : قد اختلف أهل العلم في هذا الاستثناء على أقوال منها:
(أ) أنه من قوله {فَفِي النار} كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك.
(ب) أن الاستثناء إنما هو للعصاة من الموحدين وإنهم يخرجون بعد مدة من النار، وعلى هذا يكون قوله {فَأَمَّا الذين شَقُواْ} عاما في الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من خالدين، وتكون {ما} بمعنى {من} ، وقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواترا يفيد العلم الضرورى بأنه يرخج من النار أهل التوحيد، فكان ذلك مخصصا لكل عموم.
(ج) أن الاستثناء من الزفير والشهيق، أي لهم فيها زفير وشهيق {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} من أنواع العذاب غير الزفير والشهيق...
ويبدو لنا أن الرأي الأول أرجح الآراء، ويشهد لهذا قوله تعالى بعد ذلك: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} أي فهو إن شاء غير ذلك فعله، وإن شاء ذلك فعله، ما شاء من الأفعال كان وما لم يشاء لم يكن.
وجاء - سبحانه - بصيغة المبالغة {فعال} للإِشارة إلى أنه - سبحانه - لا يتعاصى عليه فعل من الأفعال بأى وجه من الوجوه. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لطنطاوي} ...