ثم حكى الله عز وجل ، عنهم قالوا لمن آمن بنوح صلى الله عليه وسلم: {وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} إذ آمنتم بنوح {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} : أي: في دعوتكم أن الله عز وجل ، ابتعث نوحاً رسولاً . وهذا خطاب لنوح ، لأنهم به كذبوا ، فخرج الخطاب له مخرج خطاب الجميع.
قال نوح لقومه: {ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي} : أي: على معرفة به ، وعلم.
/ {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} : أي: رزقني التوفيق ، والنبوءة ، والحكمة ، فآمنت ، وأطعت .
{فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} : أي: عميت عليكم الرحمة ، أي: خفيت ، فلم تهتدوا لها.
والرحمة عند الفراء: الرسالة . ومن شدد فمعناه:"فَعَمَّها"الله عليكم ، أي: خفاها . وفي قراءة عبد الله ، وأُبَيّ:"فَعَمَّاهَا الله عليكم"وقد أجمع الجميع على التخفيف في"القصص"، ولا يجوز غيره.
ثم قال: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} أي: أنآخِذُكُمْ بالدخول في الإسلام على كره منكم ، فنلزمكم ما لا تريدون.
يقول صلى الله عليه وسلم:"لا تَفْعَل ذلك ، بل نكل أمرهم إلى الله ، سبحانه".
قال النحاس: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} : أنجبها عليكم . وأنتم لها كارهون . وقيل: معنى {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} : هي شهادة أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له.
وقيل: الهاء في {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} للرحمة . وقيل: للبينة.
ثم حكى الله عنه أنه قال: {وياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً} : أي: لا آخذ منكم على نصحي إياكم ، ودعائيَ لكم إلى الإيمان {مَالاً} : ما أجري في ذلك إلا على الله ، هو يجازيني ويثيبني . {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الذين آمنوا} : أي: لست أطردهم ، ولا الذين آمنوا بي . وذلك أنهم سألوه أن يطردهم.
قال ابن جريج: قالوا:"إن أحببت أن نتبعك فاطردهم . فقال: لا أطردهم ملاقوا ربهم ، فيجازي من طردهم وآذاهم ، ويسألهم عن أعمالهم."