الخامسة: قوله تعالى: {إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين} [هود: 46] أي أنهاك عن هذا السؤال، وأحذرك لئلا تكون، أو كراهية أن تكون من الجاهلين؛ أي الآثمين.
ومنه قوله تعالى: {يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً} [النور: 17] أي يحذركم الله وينهاكم.
وقيل: المعنى أرفعك أن تكون من الجاهلين.
قال ابن العربي: وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحاً عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء والعارفين؛ ف {قَالَ} نوح {رَبِّ إني أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} الآية وهذه ذنوب الأنبياء عليهم السلام، فشكر الله تذلله وتواضعه.
{وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي} ما فرط من السؤال.
{وترحمني} أي بالتوبة.
{أَكُن مِّنَ الخاسرين} أي أعمالاً.
فقال: {يا نوح اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا} [هود: 48] .
قوله تعالى: {قِيلَ يا نوح اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا} أي قالت (له) الملائكة، أو قال الله تعالى له: اهبط من السفينة إلى الأرض، أو من الجبل إلى الأرض؛ فقد ابتلعت الماء وجفّت [1] .
"بِسَلاَمٍ مِنَّا"أي بسلامة وأمن.
وقيل: بتحية.
{وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ} أي نعم ثابتة؛ مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته وإقامته.
ومنه البِركة لثبوت الماء فيها.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نوح آدم الأصغر، فجميع الخلائق الآن من نسله، ولم يكن معه في السفينة من الرجال والنساء إلا من كان من ذريته؛ على قول قَتَادة وغيره، حسب ما تقدّم؛ وفي التنزيل {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقين} [الصافات: 77] .
{وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} قيل: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة.
ودخل في قوله: {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} كل كافر إلى يوم القيامة؛ رُوي ذلك عن محمد بن كعب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] يقول ابن القماش: لعل الفعل بني للمفعول في هذه الآية دون أن يصرح بالقائل ليفيد العموم، وكأن كل شيء في الكون أنطقه الله تعالى في وقت واحد فخاطب نوحا - عليه السلام - وناداه قائلا (اهْبِطْ بِسَلَامٍ) وقد يعضد ذلك قولُه تعالى في سورة الصافات: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) } . والله أعلم.