وقد اختلف مفهوم التعاون وأصبح ضيقاً لا يحقق الفائدة العامة إلا نادراً.
قال السندي:"لا يعرف الناس إلا حالتين، أما التعاون الشامل والوحدة الكاملة أو التنازع والخصومة والمواجهة، وهذا التصور صورة من صور الجهل وضيق النظر وغياب الحكمة وقلة المعرفة بقواعد الشريعة وأحكامها" ( [62] ) .
وقد يحتج بعض الناس بعدم التعاون مع الآخرين بحجة أن فيه بدعة أو مخالفة شرعية أو مفهوم خاطيء، بل الصحيح أن يتعاون الناس في المتفق عليه، وأن يتناصحوا في المختلف فيه.
قال ابن تيمية:"فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مع تركها ترك ذلك الواجب كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل" ( [63] ) .
وقال الجهني:"إن كل خلاف في التنظير يجب أن يتحول إلى خلاف في التطبيق، مساحة التنظير أوسع من مساحة التطبيق، ومرونة الآراء أرحب من مرونة الأداء، وتبقى قضايا التنوع والراجح والمرجوح والفاضل والمفضول والحسن والأحسن أيسر من أن تترجم إلى مفاصلة عملية بين جزئين متضادين، فالتطاوع في الأعمال لا يعني التطابق في الأذهان، وإلا لما نيل التطاوع وإن طال الزمان" ( [64] ) .
(2) مفهوم موالاة المسلم:
هذا من المفاهيم التي يحب أن تصحح عند المسلمين، وهو أساس للفهم السابق، وذلك لأن الموالاة لم تعُد في الله وإنما في التنظيمات والأحزاب والجماعات، وأن المسلم أصبح إما أن يوالي جملة أو يعادي جملة، وهو المفهوم الذي جعل الشقاق بين الأمة سمة ظاهرة.
يقول البدري:"أن المسلمين في أمسِّ الحاجة إلى من يعيدهم إلى العمل بروح الأمة، وقيم الولاء للفكرة الإسلامية، والبعد عن العصبيات والأطراف الحزبية، والتي هي في حقيقة أمرها مقابر تدفن فيها أشلاء الأمة الإسلامية بعد أن قتلتها الفرقة" ( [65] ) .
والمفهوم الصحيح في الولاء أن المسلم يوالي بقدر ما فيه من الطاعة، ويعادي بقدر ما فيه من المعصية لا يوالي جملة ولايعادي جملة.