فهرس الكتاب
الثاني: لأنه نبي يقطع بتحقيق ما أنطقه الله تعالى وأجراه على لسانه , بخلاف من ليس بنبي.
{وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين}
دل ذلك على أنه ليس التأويل الأول مما تؤؤل به الرؤيا هو الحق المحكوم به لأن يوسف عرفهم تأويلها بالحق , وإنما قال يوسف للغلامين {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} لأنه منه نذير نبوة. ويجوز أن يكون
قوله عز وجل: {قالوا سَنُرَاوِدُ عنه أباه}
«فإن قيل» : كيف استجاز يوسف إدخال الحزن على أبيه بطلب أخيه؟
قيل عن هذا أربعة أجوبة:
أحدها: يجوز أن يكون الله عز وجل أمره بذلك ابتلاء ليعقوب ليُعظم له الثواب فاتّبع أمره فيه.
الثاني: يجوز أن يكون أراد بذلك أن ينبه يعقوب على حال يوسف.
الثالث: لتضاعف المسرة ليعقوب برجوع ولديه عليه.
والرابع: ليقدم سرور أخيه بالاجتماع معه قبل إخوته لميله إليه.
قوله عز وجل: {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) }
وفي بضاعتهم قولان:
أحدهما: أنها وَرِقهم التي ابتاعوا الطعام بها.
الثاني: أنها كانت ثمانية جُرُب فيها سويق المقل , قاله الضحاك.
وقال بعض العلماء: نبه الله تعالى برد بضاعتهم إليهم على أن أعمال العباد تعود إليهم فيما يثابون إليه من الطاعات ويعاقبون عليه من المعاصي.
{لعلهم يعرفونها} أي ليعرفوها.
{وإذا انقلبوا إلى أهلهم} يعني رجعوا إلى أهلهم , ومنه قوله تعالى {فانقلبوا بنعمة من الله} [آل عمران: 174] .
{لعلهم يرجعون} أي ليرجعوا.
«فإن قيل» : فلم فعل ذلك يوسف؟
قيل: يحتمل أوجهاً خمسة:
أحدها: ترغيباً لهم ليرجعوا , على ما صرّح به.
الثاني: أنه علم منهم لا يستحلّون إمساكها , وأنهم يرجعون لتعريفها.
الثالث: ليعلموا أنه لم يكن طلبه لعودهم طمعاً في أموالهم.
الرابع: أنه خشي أن لا يكون عند أبيه غيرها للقحط الذي نزل به.
الخامس: أنه تحرج أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن قوتهم مع شدة حاجتهم.
قوله عز وجل: {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه}
والسقاية والصواع واحد. قال ابن عباس. وكل شيء يشرب فيه فهو صواع , قال الشاعر:
(نشرب الخمر بالصواع جهاراً ... وترى المتك بيننا مستعارا)
قال قتادة: وكان إناء الملك الذي يشرب فيه.
«فإن قيل» : كيف استجاز يوسف أن يجعل السقاية في رحل أخيه لسرقهم وهم برآء , وهذه معصية؟