وكذلك قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) } [البقرة: 179] فإن هذا القول لفظه يسير ومعناه كثير. ومع كونه بليغًا مشتملًا على المطابقة بين المعنيين المتقابلين، وهما القصاص والحياة. وعلى الغرابة، بجعل القتل الذي هو مفوت للحياة ظرفًا لها، وأولى من جميع الأقوال المشهورة عند العرب في هذا الباب؛ لأنهم عبروا عن هذا المعنى بقولهم: (قتل البعض إحياء الجميع) وقولهم: (أكثروا القتل ليقل القتل) وقولهم: (القتل أنفى للقتل) . وأجود الأقوال المنقولة القول الأخير.
ولفظ القرآن أفصح منه بستة أوجه:
أحدها: أنه أخصر من الكل؛ لأن قوله {وَلَكُمْ} لا يدخل في هذا الباب؛ لأنه لا بد من تقدير ذلك في الكل؛ لأن قول القائل - قتل البعض إحياء للجميع - لا بد فيه من تقدير مثله، وكذلك في قولهم - القتل أنفى للقتل.
وثانيها: أن قولهم: القتل أنفى للقتل، ظاهره يقتضي كون الشيء سببًا لانتفاء نفسه بخلاف لفظ القرآن؛ فإنه يقتضي أن نوعًا من القتل - وهو القصاص - سبب لنوع من أنواع الحياة.
وثالثها: أن قولهم الأجود تكرير لفظ القتل بخلاف لفظ القرآن.
ورابعها: أن قولهم الأجود لا يفيد إلا الردع عن القتل، بخلاف لفظ القرآن؛ فإنه يفيد الردع عن القتل، والجرح فهو أفيد.
وخامسها: أن قولهم الأجود دال على ما هو المطلوب بالتبع، بخلاف لفظ القرآن؛ فإنه دال على ما هو مقصود أصلي؛ لأن نفي القتل مطلوب تبعًا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة الذي هو مطلوب أصالة.
وسادسها: أن القتل ظلمًا أيضًا قتل، مع أنه ليس بناف للقتل بخلاف القصاص فظاهر قولهم باطل، وأما لفظ القرآن فصحيح ظاهرًا وباطنًا.
الوجه الخامس: الإعجاز في المعنى (أي في معاني الألفاظ في القرآن الكريم) .
وبيان ذلك كما يلي:
1 -الأعجمي إن لم يحدث له تحد عن طريق ألفاظ القرآن؛ فإنه يتحداه من جهة المعاني وترتيبها.
قال الجصاص: معلوم أن العجم لا يُتحدون من طريق النظم، فوجب أن يكون التحدي لهم من جهة المعاني وترتيبها على هذا النظام دون نظم الألفاظ.