فهرس الكتاب
فآمنة إشارة إلى الأمن و {مُّطْمَئِنَّةً} إلى الصحة و {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا} الخ إلى الكفاية ، وجعل سبب الاطمئنان ملاءمة هواء البلد لأمزجة أهله وفيه تأمل {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله} جمع نعمة كشدة وأشد على ترك الاعتداد بالتاء لأن المطرد جمع فعل على أفعال لا فعلة ، وقال الفاضل اليمني: اسم جمع للنعمة ، وقطرب جمع نعم بضم النون كبؤس وأبؤس ، والنعم عنده بمعنى النعيم ، وحمل على ذلك قولهم: هذا يوم طعم ونعم ، وعند غيره بمعنى النعمة ، والمراد بالنعم ما تضمنته الآية قبل ؛ ولعله في قوة نعم كثيرة بل هو كذلك ، وفي إيثار جمع القلة إيذان بأن كفران نعم قليلة أوجبت هذا العذاب فما ظنك بكفران نعم كثيرة {فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف} شبه أثر الجوع والخوف وضررهما الغاشي باللباس بجامع الإحاطة والاشتمال فاستعير له اسمه وأوقع عليه الإذاقة المستعارقة للإصابة ، وأوثرت للدلالة على شدة التأثير التي تفوت لو استعملت الإصابة ، وبينوا العلاقة بأن المدرك من أثر الضرر شبه بالمدرك من طعم المر البشع من باب استعارة محسوس لمعقول لأن الوجدانيات لزت في قرن العقليات ، وكذا يقال في الأول ، ولشيوع استعمال الإذاقة في ذلك وكثرة جريانها على الألسنة جرت مجرى الحقيقة ولذا جعل إيقاعها على اللباس تجريداً ، فإن التجريد إنما يحسن أو يصح بالحقيقة أو ما ألحق بها من المجاز الشائع ، فلا فرق في هذا بين أذاقها إياه وأصابها به ، وإنما لم يقل: فكساها إيثاراً للترشيح لئلا يفوت ما تفيده الإذاقة من التأثير والإدراك وطعم الجوع لما في اللباس من الدلالة على الشمول وصاحب المفتاح حمل اللباس على انتقاع اللون ورثاثة الهيئة اللازمين للجوع والخوف ، والاستعارة حينئذ من باب استعارة المحسوس للمحسوس ، وما ذكر أولاً أولى إذ لا يجل موقع الإذاقة وتكون الإصابة أبلغ موقعاً.