{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا}
فيه عشر مسائل:
الأولى قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمْ} معناه صيّر.
وكلُّ ما علاك فأظلّك فهو سقف وسماء، وكل ما أَقَلّك فهو أرض، وكلُّ ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار؛ فإذا انتظمتْ واتصلت فهو بيت.
وهذه الآية فيها تعديد نعم الله تعالى على الناس في البيوت، فذكر أولا بيوت المدن وهي التي للإقامة الطويلة.
وقوله: {سَكَناً} أي تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة، وقد تتحرك فيه وتسكن في غيره؛ إلا أن القول خرج على الغالب.
وعدّ هذا في جملة النعم فإنه لو شاء خلق العبد مضطرباً أبداً كالأفلاك لكان ذلك كما خلق وأراد، ولو خلقه ساكناً كالأرض لكان كما خلق وأراد، ولكنه أوجده خلقاً يتصرّف للوجهين، ويختلف حاله بين الحالتين، وردّده كيف وأين.
والسَّكَن مصدر يوصف به الواحد والجمع.
ثم ذكر تعالى بيوت النقلة والرِّحلة وهي:
الثانية فقال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا} أي من الأنطاع والأَدم.
{بُيُوتاً} يعني الخيام والقِباب يَخفّ عليكم حملها في الأسفار.
{يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} الظّعن: سير البادية في الانتجاع والتحول من موضع إلى موضع؛ ومنه قول عنترة:
ظعن الذين فراقَهم أتوقّع... وجرى ببينهم الغراب الأبقع
والظعن الهودج أيضاً؛ قال:
ألا هل هاجك الأظعان إذ بانوا... وإذ جادت بوشك البين غربان
وقرئ بإسكان العين وفتحها كالشَّعْر والشَّعَر.
وقيل: يحتمل أن يعم به بيوت الأَدم وبيوت الشعر وبيوت الصوف؛ لأن هذه من الجلود لكونها ثابتة فيها؛ نحا إلى ذلك ابن سَلام.
وهو احتمال حسن، ويكون قوله:"ومنْ أَصْوَافِهَا"ابتداء كلام، كأنه قال: جعل أثاثاً؛ يريد الملابس والوطاء، وغير ذلك؛ قال الشاعر:
أهاجتك الظعائن يوم بانوا... بذي الزِّيّ الجميل من الأثاث