الأول: أصحاب العقول الصحيحة، الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها.
والثاني: أصحاب النظر السليم، الذين لم يبلغوا حدّ الكمال، ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان.
والثالث: الذين تغلب على طباعهم المخاصمة، لا طلب العلوم اليقينية، فقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ...} إلخ، معناه ادع الأقوياء الكاملين إلى الدين الحق بالدلائل القطعية اليقينة، حتى يعلموا الأشياء بحقائقها، وهم خواص الصحابة وغيرهم، وادع عوام الخلق بالدلائل الإقناعية الظنية، وهم أرباب السلامة، وفيهم الكثرة، وتكلم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل، وهي التي تفيد إفحامهم وإلزامهم، والجدل ليس من باب الدعوة، بل المقصود منه قطع الجدل عن باب الدعوة لأنها لا تحصل به.
أي: ولما أمر الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - باتباع إبراهيم .. بيَّن الشيء الذي أمره بمتابعته فيه، وهو أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة، وهي الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالطريق الأحسن.