{والليل إِذَا يغشى * والنهار إِذَا تجلى} [الليل: 12] .
فإياك أنْ تُغيّر مهمة الليل إلى النهار ، أو مهمة النهار إلى الليل .
ثم يرد عليهم قائلاً: {والضحى * والليل إِذَا سجى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى} [الضحى: 14] .
والمعنى: إنْ كان النهار لحركة الحياة واستبقائها ، والليل للراحة والسكون ، فهما آيتان متكاملتان لا مُتضادتان ، وليس معنى أن يأتي الليل بسكونه أن النهار لن يأتي من بعد ، بل سيأتي نهار آخر ، وستستمر حركة الحياة .
وكذلك الأمر إنْ فترَ الوحي عن رسول الله ، فلا تظنوا أنه انقطع إلىغير رَجْعة ، بل هي فترة ليرتاح فيها رسول الله ، كالليل الذي ترتاحون فيه من عناء العمل في النهار ، ومن هنا كانت الحكمة في أنْ يُقسم سبحانه وتعالى بالضحى والليل إذا سجى على {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى} [الضحى: 3] .
ونلحظ في هذا التعبير دِقّة الإعجاز في أداء القرآن ، حيث قال: {مَا وَدَّعَكَ} [ضحى: 3] بكاف الخطاب ؛ لأن التوديع يكون لمَنْ تحب ولمَنْ تكره ، أما في القِلَى فلم يقُلْ: قَلاَك . لأن القِلَى لا يكون إلا لمَنْ تكره .
ومعنى: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى} الضحى: 4] الآخرة أي: الفترة الأخيرة من نزول الوحي خَيْر لك من الفترة الأولى ؛ لأنها ستكون أوسع ، وستأتيك بلا تَعَب ولا مشقة ، وفعلاً نزلت جمهرة القرآن بعد ذلك في يُسْر على رسول الله صلى الله عليه وسلم .