فالذي يرجوه إبراهيم هو مجرد تجنيبه الشقاوة.. وذلك من الأدب والتحرج الذي يستشعره. فهو لا يرى لنفسه فضلاً ، ولا يتطلع إلى أكثر من تجنيبه الشقاوة!
وهكذا اعتزل إبراهيم أباه وقومه وعبادتهم وآلهتهم وهجر أهله ودياره ، فلم يتركه الله وحيداً. بل وهب له ذرية وعوضه خيراً:
فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب.
وكلاً جعلنا نبيا. ووهبنا لهم من رحمتنا. وجعلنا لهم لسان صدق علياً..
وإسحاق هو ابن إبراهيم ، رزقه من سارة وكانت قبله عقيماً ويعقوب هو ابن إسحاق: ولكنه يحسب ولداً لإبراهيم لأن إسحاق رزقه في حياة جده ، فنشأ في بيته وحجره ، وكان كأنه ولده المباشر ؛ وتعلم ديانته ولقنها بنيه. وكان نبياً كأبيه.
{ووهبنا لهم من رحمتنا} إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونسلهم.. والرحمة تذكر هنا لأنها السمة البارزة في جو السورة ، ولأنها هبة الله التي تعوض إبراهيم عن أهله ودياره ، وتؤنسه في وحدته واعتزاله.
{وجعلنا لهم لسان صدق عليا} .. فكانوا صادقين في دعوتهم ، مسموعي الكلمة في قومهم. يؤخذ قولهم بالطاعة وبالتبجيل.
ثم يمضي السياق مع ذرية إبراهيم: مستطرداً مع فرع إسحق فيذكر موسى وهارون:
{واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبيا. وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً. ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا} ..